ويحسن بنا في هذه الوقفة، تنبيه المخدوعين من أبناء المسلمين، الذين انخدعوا ببعض الأخلاق النفعية، التي يجدونها عند الكفار في ديارهم، كالصدق في المواعيد والأمانة والوفاء بالعقود، إلى أنَّ هذه الأخلاق لم يكن دافعها الخوف من الله عز وجل، ورجاء ثوابه في الدنيا والآخرة، وإنَّما هي أخلاق نفعية مؤقتة، يريدون منها مصالحهم الخاصة، والدعاية لهم ولشركاتهم، ولذلك فإنَّها لا تدومُ معهم، وإنما تدور معهم حسب مصالحهم، بدليل أنَّ هذه الأخلاق تنعدم ويحل محلها الأخلاق السيئة من الكذب والخداع، إذا كانت مصالحهم تقتضي ذلك.
أما المسلم المتربي على العقيدة الربانية، فأخلاقه ثابتة معه في ليله ونهاره، في سره وعلانيته، في سرائه وضرائه.
ومن هُنا تأتي أهمية التربية على العقيدة، في استنبات الأخلاق الفاضلة الثابتة.
الوقفة الثالثة:
تبين لنا في الوقفة السابقة أثر العقيدة في بناء الأخلاق الصالحة، وتجنب مساوئها، وفي هذه الوقفة سنتعرفُ على العكس، من ذلك ألا وهو أثر الأخلاق على العقيدة سلبًا وإيجابًا.
إن التوحيد كما سبق أن ذكر الإمام ابن القيم- رحمه الله تعالى-: (( ألطف شيءٍ وأنزهه، وأنظفهُ وأصفاه، فأيُّ شيءٍ يخدشهُ ويدنسه ويؤثر فيه ) ).
ومعنى هذا أنَّ الأخلاق السيئة والمعاصي تشوش التوحيد، وتضعف صفاءه، وكلما كثرت المعاصي والأخلاق السيئة، وتراكمت على القلب دون توبة، فإنَّ صفاء التوحيد يتكدرُ، بل يظلم وينطمس في النهاية- والعياذ بالله تعالى- والعكس من ذلك، فإن الإتيان بمحاسن الأخلاق، وتجنب مساوئها، يزيد من صفاء التوحيد وبهائه وكماله.
ويوضحُ هذا المعنى، الحديث الذي رواه حذيفة ? في الفتن، حيثُ يقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: (( تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودًا عودًا، فأيُّ قلب أشربها نُكِتَ فيه نكتة سوداء، وأيُّ قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء، حتى تصير على قلبين، على أبيض مثل الصفا، فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مربادًّا كالكوز مجخِّيًا، لا يعرف معروفًا، ولا ينكر منكرًا إلا ما أُشْرِبَ من هواه... الحديث ) ) [4] .
وإذا أردنا أن نتبين خطورةَ الأخلاق السيئة، واستمرائها على العقيدة، فلننظر إلى أولئك الذين وقعوا في الأخلاق السيئة، وأصروا عليها، سواء كان ذلك بألسنتهم، كالغيبة والنميمة، والكذب والفحش، أو بأبصارهم، كالنظر إلى ما حرم الله عز وجل من النساء الأجنبيات، أو صورهنَّ الماجنة في مجلةٍ أو تلفاز، أو بأسماعهم كسماع المعازف والكلام الفاحش،... إلخ، حيثُ نرى أن الحال تصل بهؤلاء إلى حد الاستئناس بهذه المنكرات، وإلفها وعدم إنكارها، وهذا بدوره قد يُؤدي- والعياذ بالله- إلى الرضى بها وإقرارها، وهُنا مكمن الخطر، إذ لو كانت هذه المساوئ الخلقية تقارف، وفي النفس كرهها وعدم الرضى بها، لكان الأمر أهون، إذ يرجى لصاحبها التوبة والإقلاع، أما إذا تحول الأمر إلى إلفها والرضى بها، فقد يكون هذا ضربًا من الاستحلال الذي يقدح في أصل التوحيد والعقيدة، ومن هُنا يظهر أثر الأخلاق الذميمة، وفعل السيئات على العقيدة، عندما تستمر أ ويداوم على فعلها من غير وازعٍ ولا واعظ، وقد ينتهي الأمرُ بصاحبها إلى الاستهزاء بالواعظين، وعدم الاكتراث بوعظهم، كما قال المستكبرون من قومِ هود: (( سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ ) ) ( الشعراء: 136) .
وكما قال إخوانهم في الغي من قوم شعيب: (( قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ ) ) (هود: 91) .
وبهذا يظهرُ لنا خطورة الأخلاق السيئة على العقيدة، وأنَّ الأمرَ لا يتوقفُ في كون الأخلاق السيئة معصية فحسب، بل قد يؤدي في النهاية إلى الرضى بها، أو استحلالها، وذلك حينما يداومُ عليها من غير واعظٍ ولا وازع، ولقد وجد من المسلمين الذين ألفوا النظر إلى الصور المحرمة، والفتنة بالمجلات الماجنة، عندما وجهت له النصيحة بإبعادها عن نفسه وأهله، قال: إيش فيها- وما علم المسكين أنه أتى بكلمة شنيعة، يحسبها هينة وهي عند الله عظيمة، لأنَّها كلمة تقرب من الاستحلال، والاستحلال يهدمُ أصل العقيدة، وما ذاك إلاَّ من الإدمان والإصرار على هذه السيئات، الذي أورث في النفس حبها وحب من يسهل أمرها، وبغض من يصده عنها أو يصدها عنه- والعياذ بالله تعالى-، فهل يبقى بعد ذلك من شكٍ في أثر الأخلاق السيئة على العقيدة؟ أما أثر الأعمال الصالحة، ومحاسنُ الأخلاق على زكاءِِ العقيدة، وقوة الإيمان والهداية، فالأدلة على ذلك من كتاب الله عز وجل، ومن واقع أحوالِ الناس كثيرةً ومتضافرة، ويكفي في ذلك قوله تعالى: (( وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ ) ) (محمد:17) .