يتجه الأشراف العلمي المعرفي الجاد والرصين إلى تحقيق إمكانيات معرفية على صعيدين: ( صعيد الطالب ، صعيد الأستاذ ) ، فطبيعة العلاقة بين الطالب والأستاذ ، هي علاقة جدلية طردية ، فكلما استطاع الأستاذ تكثيف جهوده ، ومواصلة الجهد العلمي المتطور ، فإنه سيقدم تلك الجهود إلى طالبه ، وبالتالي سيتحقق التواصل العلمي بينه وبين طالبه من جهة ، وبينه وبين المستجدات العلمية من جهة أخرى في ميدان تخصصي معين .
ويتعلق مسار الأشراف العلمي بالحدود الثابتة والدقيقة لميزات النهج العلمي ، وبيانا لسماته وأهدافه ، ويقدم صيغًا تسهم في بلورة المستوى العلمي وتطويره ، وتحديد السبل الناجعة للارتقاء بمستواه وإمكانياته .
رابعا: التواصل مع السلوكيات العلمية المتزنة
يتجه الوعي المؤسساتي إلى تنظيم خبراته وفقا لأجندة علمية دأب على رسمها ثلة من الأساتذة الجامعيين المختصين والمبدعين في حقول مختلفة ، منهجها تحديد الركائز الأولى في تنظيم المسيرة العلمية ، وغرضها إيجاد السبل الكفيلة بدفع النتاج المعرفي ، وهدفها تحويل الظاهرة إلى تعليل ، وتفعيل السلوكيات عن طريق التحليل ، وإذا كان المشروع المؤسساتي للاستاذ ينطلق من الثوابت السابقة ، فإن دوره لن يؤطر بصيغ مدونة ومثالية لا تجد لها صدى إلا في فضاء الكتابة ، فدوره دور بنائي أولا من خلال بناء الهرم العلمي القائم بمهمة النهوض بالمجتمع ، وله دور تفاعلي ثانيا من خلال النهوض بفعاليات المجتمع ومؤسساته ، فضلا عن دوره الريادي في صياغة عقول متفتحة تدعو إلى احتضان المعرفة ، وتطوير العلم ، وبناء قيم الطالب العلمية وفقا لمبادىء الحرية التي من المفترض أن يكون متمتعا بها .
تكتنز الجامعة سلوكيات عدة منها ما كان سلبيا ، ومنها ما كان ايجابيا ، تتعلق الأولى بإمكانية الانفصال ، وتتعلق الثانية بإمكانيات الاتصال ، الانفصال عن الدور الريادي للأستاذ الجامعي ، والاتصال بالواقع العلمي والتربوي ، لذلك فإننا سنتجه إلى بيان بعض السلوكيات التي ينبغي تجنبها دفعا للوقوع في شرك ( اللاعلمية ) ، أو المساهمة في انهيار أو اغتيال العملية التعليمية في الجامعة من خلال تراجع الدور الريادي للأستاذ فيها .
على الأستاذ الجامعي أي يعي أن سمعة التعليم الجامعي بات مرهونا الآن بعطايا الأستاذ العلمية والمعرفية ، ومقيدا بتطور مستواه ، وأن انهيار المسلك التعليمي مرده بشكل من الأشكال إلى الأستاذ نفسه ، وإذا ما وقع ذلك فان الحل الفردي ، لن يقدم مخرجا سحريا لمجاوزة الأزمة ، إنما تشكل الحلول التي تمتلك رؤى جماعية المسلك العلمي لتقديم الحلول .
وعلينا بيان أمر مهم وهو أن الأستاذ الجامعي متى ما طمح أن تكون منافسته العلمية متجهة نحو العالمية وتجاوز اطر الإقليمية فانه سيسعى جاهدا إلى نفض التقليد والسكون ، والصيغ الأكاديمية المزعجة حينا ، والمتقولبة أحيانا أخرى ، وسيسهم ذلك في رقي التحصيل ، وتحقيق مدارات من المعرفة الجادة ، ومجاوزة الإخفاقات التي حملت الأستاذ زمنا على ترك المبادرة والالتزام بالتقليد .
ومن المهم ذكر أن التواصل الجامعي لن يتحقق بوجود إدارة متعصبة غير مرنة ، مفتقرة إلى ابسط قواعد التعامل العلمي الصحيح مع الأستاذ الجامعي ، وقد أسهمت هذه الإدارات المتحجرة ـ وما أكثرها في الميدان الجامعي ـ في تثبيط الأستاذ مرة ، وإعاقة الجهد العلمي الرصين مرة أخرى ، وملل التدريسي من تقديم النصح والإرشاد للمسيرة العلمية والتربوية مرات عدة ، وقد ساعد هذا في حرمان الأستاذ الجامعي من القرار العلمي الناضج الذي يدخل في خدمة التدريسي ويحفظ له منزلته ، لذلك فإننا نرجو أن يتحرر الأستاذ الجامعي من سطوة الإدارة وجمودها ، وان يقترح سبلا ناجعة لتطويرها .
ومن النقاط المهمة الأخرى التواصل مع البحث العلمي ومستجداته ، وإعادة الأمل إلى مسيرة البحث المبدع والمبتكر وتشجيعه ، وليس البحث الجامد أو المسخ أو المسروق أو الذي لا يمتلك قيمة علمية تذكر لأنه لا يستند إلى مقومات كتابة البحث ، ولا يمتلك صاحبه الأدوات العلمية المناسبة التي تصوغ الفكرة ، وتقدمها للآخرين .
وتقتضي السلوكيات العلمية المتزنة أن يتحلى الأستاذ الجامعي بفلسفة تنظيمية وتربوية متطورة ، وفكر ثاقب لإدامة عجلة الحياة الجامعية ، لان ذلك يسهم في بلورة العقل وتحويله من عقل هاضم للمعلومة إلى عقل منتج لها ، ومن نهج علمي تقليدي استهلاكي إلى آخر إنتاجي ، ومن ضعف في أدوات البحث المنهجية والمعرفية ، إلى تكوين قاعدة علمية رصينة لأخذ المعلومة وتوظيفها بشكل صحيح ، ثم محاولة ابتكار طرائق جديدة في أساليب تقديم المعلومة للطالب الذي يعشق كل جديد ، ويستمتع بكل أسلوب يكسر التقليد والجمود .