فهرس الكتاب

الصفحة 3625 من 27345

فتأمل هذا الوصف البديع لهذه الكوكبة من الصحابة من المهاجرين والأنصار , ومعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم بأكمل الصفات , وأجلِّ الأحوال , وأنهم جادون مجدون في نصرت دينهم , ساعون في ذلك بغاية جهدهم , فليس للكفار منهم إلا الغلظة والشِّدة , فلذلك ذَلَّ أعداؤهم , وانكسر مخالفوهم , ومع ذلك فهم رحماء متحابون بينهم , متعاطفون كالجسد الواحد , يحب أحدهم لأخيه ما يحبه لنفسه , هذه معاملتهم مع الخلق !! أمَّا معاملتهم مع الخالق فإنك تراهم ركعا سجدًا بكثرة صلاتهم التي هي العلامة والدلالة على تمام العبودية لله سبحانه وتعالى , حتى أنك تر أثر العبادة وحسنها على وجوههم , فترى النور يشع منها فلما استنار باطنهم بالعبادة استنار الظاهر بالجلال والهيبة والعظمة , حتى أنك ترى وصفهم في الكتب السابقة , فالوصف السابق في التوراة , وأما في الإنجيل فهم كزرع نما وثبت واستقام , يُعْجِبُ من حسنه الزرّاع لشدة انتفاعهم به , كذلك الصحابة في انتفاع الخلق بهم , وهم مع قوتهم واجتماعهم يهابهم الأعداء , وقد جمع الله لهم الإيمان والعمل الصالح والمغفرة والأجر العظيم في الدنيا والآخرة .

يا عاذلَ المُشتاقِ دَعهُ iiفَإِنَّه

يطوى عَلى الزَّفَراتِ غَيْرَ حَشَاكا

لَو كانَ قَلبُكَ قَلبَهُ ما iiلُمْتَهُ

حَاشَاكَ ممَّا عِندَهُ iiحَاشَاكا

لقد كان السَّلف رضي الله عنهم أسرع الخلق لفعل الطاعات والمسابقة لرضى رب البريات سبحانه وتعالى وكيف لا يكون ذلك وقد رأوا من نبيهم من المسارعة ما سبق به من قبله وأعجز من بعده صلى الله عليه وسلم .

هدي النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في المسارعة

انظر إلى هديه صلى الله عليه وسلم في المسارعة لفعل الخيرات .

عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: صَلَّيْتُ وَرَاءَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ الْعَصْرَ , فَسَلَّمَ ثُمَّ قَامَ مُسْرِعًا فَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ إِلَى بَعْضِ حُجَرِ نِسَائِهِ , فَفَزِعَ النَّاسُ مِنْ سُرْعَتِهِ فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ , فَرَأَى أَنَّهُمْ عَجِبُوا مِنْ سُرْعَتِهِ فَقَالَ: ذَكَرْتُ شَيْئًا مِنْ تِبْرٍ عِنْدَنَا فَكَرِهْتُ أَنْ يَحْبِسَنِي فَأَمَرْتُ بِقِسْمَتِهِ . (14 )

فانظر إلى حاله صلى الله عليه وسلم لما تذكر شيئا من الصدقة أسرع وبادر إلى إخراجه صلى الله عليه وسلم , حتى فزع الصحابة لسرعته صلى الله عليه وسلم , بل في جميع الطاعات وكل القربات كان صلى الله عليه وسلم له السبق رغم أن الله غفر ذنبه ومحا خطاياه .

عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُومُ مِنْ اللَّيْلِ حَتَّى تَتَفَطَّرَ قَدَمَاهُ , فَقَالَتْ عَائِشَةُ: لِمَ تَصْنَعُ هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ , قَالَ: أَفَلَا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ عَبْدًا شَكُورًا , فَلَمَّا كَثُرَ لَحْمُهُ صَلَّى جَالِسًا , فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ قَامَ فَقَرَأَ ثُمَّ رَكَعَ . ( 15)

أخي الحبيب: هذا نداء رب العالمين , ومنهج خير المرسلين في المسارعة لفعل الخيرات , والمسابقة بالطاعات , وكذلك كان الصحابة ومن بعدهم أحرص الناس على ذلك .

أبوبكر رضي الله عنه

وهذا أبو بكر رضي الله عنه ضرب أعظم المثل في المسابقة والمسارعة لفعل الخيرات ؛ حتى أعجز من بعده أن يلحق به .

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ الْيَوْمَ صَائِمًا , قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَا , قَالَ: فَمَنْ تَبِعَ مِنْكُمْ الْيَوْمَ جَنَازَةً ؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَا , قَالَ: فَمَنْ أَطْعَمَ مِنْكُمْ الْيَوْمَ مِسْكِينًا ؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَا قَالَ فَمَنْ عَادَ مِنْكُمْ الْيَوْمَ مَرِيضًا ؟ قَالَ: أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَا , فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا اجْتَمَعْنَ فِي امْرِئٍ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ . (16 )

بين أبي بكر وعمر

وهذا عمر يتمنى أن يسبق أبا بكر يومًا في طاعة ؛ فما استطاع إلى ذلك سبيلا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت