فهرس الكتاب

الصفحة 3642 من 27345

قال ابن عثيمين رحمه الله:"وهي من نعمة الله على الإنسان أن يشرع الله للمسلم ما يشارك به أهل موسم الحج؛ لأن أهل الموسم لهم الحج والهدي، وأهل الأمصار لهم الأضحية، ولهذا نجد من فضل الله ورحمته أنه جعل لأهل الأمصار نصيبًا مما لأهل المناسك، مثل: ترك الأخذ من الشعر والظفر في أيام العشر من أجل أن يشارك أهل الأمصار أهل الإحرام بالتعبد لله تعالى، بترك الأخذ من هذه الفضولات، ولأجل أن يشاركوا أهل الحج في التقرب إلى الله تعالى بذبح الأضاحي، لأنه لولا هذه المشروعية لكان ذبحها بدعة، ولَنُهِيَ الإنسان عنها، ولكن الله شرعها لهذه المصالح العظيمة" ( [1] ) .

وكذلك"شرع الله الأضحية لتحقيق الحكم التالية:"

1-اقتداء بأبينا إبراهيم عليه السلام، الذي أمر بذبح فلذة كبده، فصدَّق الرؤيا، ولبّى، وتلّه للجبين، فناداه الله وفداه بذبح عظيم، وصدق الله العظيم إذ يقول: {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْىَ قَالَ يابُنَىَّ إِنّى أَرَى فِى الْمَنَامِ أَنّى أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ ياأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤمَرُ سَتَجِدُنِى إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ * فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَن ياإِبْراهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَاذَا لَهُوَ الْبَلاَء الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} [الصافات:102-107] ، ففي ذبح الأضاحي إحياء هذه السنة، وتضحية بشيء مما أفاء الله على الإنسان، شكرًا لصاحب النعمة ومُسديها، وغاية الشكر محض الطاعة بامتثال الأمر.

2-توسعة على الناس يوم العيد، فحين يذبح المسلم أضحيته يوسع على نفسه وأهل بيته، وحين يهدي منها إلى أصدقائه وجيرانه وأقاربه فإنه يوسع عليهم، وحين يتصدق منها على الفقراء والمحتاجين فإنه يغنيهم عن السؤال في هذا اليوم الذي هو يوم فرح وسرور" ( [2] ) ."

( [1] ) الشرح الممتع (7/454-455) .

( [2] ) أحكام العيدين وعشر ذي الحجة، لعبد الله الطيار (ص65-66) .

خامسًا: حكمها:

اختلف العلماء في حكم الأضحية إلى قولين هما:

القول الأول: الوجوب على المقيم الموسر، وبه قالت الحنفية ( [1] ) واستظهره شيخ الإسلام ابن تيمية ( [2] ) ، والشيخ ابن عثيمين ( [3] ) رحمهما الله.

ومما استدلوا به:

حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( من كان له سعة ولم يضحِّ فلا يقربن مصلانا ) ) ( [4] ) .

وعن مخنف بن سليم رضي الله عنه قال: كنا وقوفًا مع النبي صلى الله عليه وسلم بعرفة، فقال: (( يا أيها الناس، إن على كل أهل بيت في كل عام أضحية وعتيرة ) )الحديث ( [5] ) .

وعن جندب بن سفيان رضي الله عنه أنه شهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم النحر صلى ثم خطب فقال: (( من ذبح قبل أن يصلي فليذبح مكانها أخرى، ومن كان لم يذبح فليذبح بسم الله ) ) ( [6] ) .

القول الثاني: أنها سنة مستحبة، وهو قول المالكية ( [7] ) ، والشافعية ( [8] ) ، والحنابلة ( [9] ) ، وإليه ذهب أبو محمد بن حزم ( [10] ) ، رحم الله الجميع.

ومما استدلوا به:

حديث أم سلمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( إذا دخلت العشر، وأراد أحدكم أن يضحي، فلا يمسن من شعره وبشره شيئًا ) ) ( [11] ) .

قالوا: علق الذبح على الإرادة، والواجب لا يعلق على الإرادة ( [12] ) .

وعن جابر رضي الله عنه قال: شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الأضحى بالمصلى، فلما قضى خطبته نزل من منبره، وأتى بكبش فذبحه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: (( بسم الله والله أكبر، اللهم هذا عني وعمن لم يضح من أمتي ) ) ( [13] ) .

قالوا: فمن لم يضح منا، فقد كفاه تضحية النبي صلى الله عليه وسلم، وناهيك بها أضحية ( [14] ) .

وعن أبي سريحة أو أبي سريج الغفاري قال: أدركت أبا بكر وعمر رضي الله عنهما، كانا لا يضحيان، في بعض حديثهم: كراهية أن يقتدى بهما ( [15] ) .

واستدل بعضهم بالبراءة الأصلية، وأنه لا دليل صحيح صريح يعتمد عليه الموجبون.

وذهبت اللجنة الدائمة للإفتاء إلى أنها: سنة كفاية ( [16] ) .

( [1] ) انظر: بدائع الصنائع (5/62) .

( [2] ) انظر: مجموع الفتاوى (23/162) .

( [3] ) انظر: الشرح الممتع (7/455) .

( [4] ) أخرجه أحمد (2/321) ، وابن ماجه في الأضاحي، باب: الأضاحي واجبة هي أم لا؟ (3123) ، والدارقطني (4/285) ، والبيهقي (9/260) ، والحاكم (4/231 ـ 232) والحديث اختلف في وقفه ورفعه. قال البيهقي (9/260) :"بلغني عن أبي عيسى الترمذي أنه قال: الصحيح عن أبي هريرة موقوفًا". وممن رجح الوقف أيضًا المنذري في الترغيب (2/155) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت