بعد فتح صلاح الدين الأيوبي مدينة القدس في 583هـ/ 1187 أمر بترميم المسجد الأقصى وجاء إليه بالمنبر الذي لم يعمل في الإسلام مثله من حلب وقد - صنع على مدى سنين بأمر نور الدين زنكي خاصة باسم المسجد الأقصى- (58) وهو المنبر الذي أحرقه اليهود في سنة 1969 أثناء الاحتلال الإسرائيلي. وقد أجرى السلاطين المماليك ثم العثمانيون إصلاحات وتعميرات كثيرة في المسجد الأقصى ولكن شكله العام لم يتغير منذ عهد الأيوبيين (59) . وفي سنة 1344هـ/ 1925 جرت تعميرات واسعة في المسجد الأقصى استهدفت تدعيم القبة والبناء بصورة عامة. وأخرى بين سنتي 1357هـ/ 1938 و 1363هـ/ 1943م هدم فيها الرواق الشمالي وأعيد بناؤه، والرواق الأوسط الذي كان ما زال قائمًا منذ التجديد الفاطمي وأعيد بناؤه (60) .
بعد حريق المسجد الأقصى بدأت الحكومة الأردنية وفي نفس العام 1969 بإعادة إعمار المسجد الأقصى وإزالة آثار الحريق الإسرائيلي (61) .
مزاعم اليهود حول الحرم القدسي الشريف
يشكل دخول داود عليه السلام للقدس بداية تاريخ عهد (القدس) اليهودي. وعلى أساسات معبد ملكي صادق بنى سليمان الحكيم عليه السلام معبده. وهكذا تكرست القدس مدينة مقدسة للقبائل العبرانية بعد أن فرضت نفسها مرجعًا سياسيًا ودينيًا لهم، وأصبحت بعد السبيّ إلى بابل - سنة 586 ق.م عامل توحيد وآلية من آليات تطوير المعتقد اليهودي وصياغته في صورته الأساس. فقد نظمت أناشيد الشوق إلى القدس وتمت صياغة التلمود البابلي ليحل محل التلمود المقدسي، وجرى خلال هذه الفترة ترديد القسم المعهود (فلتنسني يمني إن نسيتك يا أورشليم) (62) .
ولما تبوأ كورش عرش الفرس، أذن لمن شاء من اليهود بالعودة إلى القدس. فعاد فريق منهم (538م) ليعيدوا بناء الهيكل ويبنوا السور من جديد (63) . وجاء تدمير الهيكل الثاني وتشتيت اليهود على يد تيطوس (70م) ليعزز مشاعر الإغتراب والشوق إلى المدينة المقدسة عند اليهود) (64) . واحتلت مدينة القدس محلًا رومانسيًا في الفكر الصهيوني ليستثير العواطف اليهودية. ولما اعتلى عرش الرومان الإمبراطور هدريان (إدريانوس) أتى على ما تبقى من الهيكل عام 131م، وهدم أورشليم فجعل عاليها سافلها، وبعد مضي أربع سنوات على خرابها أقام على أنقاضها مدينة جديدة أسماها إيليا كابيتولينا. وبعد حين سمح لهم - اليهود - أن يزوروا أطلال الهيكل مرة واحدة فقط في كل سنة (9آب/ أغسطس) (65) .
حائط البراق
يمثل حائط البراق الجزء الجنوبي الغربي من جدار الحرم الشريف ويبلغ طوله (47) مترًا وارتفاعه (17) مترًا ويعد من الأملاك الإسلامية، لأنه يشكل جزءًا من الحرم الشريف وله علاقة وطيدة بإسراء النبي عليه السلام - إذ ربط النبي عليه السلام دابته البراق في الحائط، وسمي حائط البراق نسبة إلى دابة الرسول صلى الله عليه وسلم ويطلق عليه باللغة العبرية اسم (كوتل معمراني) ويدعي اليهود أن هذا الحائط هو الجدار الخارجي لهيكل سليمان عليه السلام - متناسين ما حل بالهيكل في عهد هدريان (66) .
ويطلق على حائط البراق اسم حائط المبكى وذلك لأن اليهود اعتادوا في عهد هدريان الذهاب إلى مدينة القدس والبكاء على أطلال هيكلهم الذي زالت آثاره من شدة الحريق الذي أتى عليه، وقد أخذت أجيال اليهود في القدوم إلى آثارهم كي يقوموا بالبكاء والنواح على مجدهم الزائل عند حائط البراق .
أما القسم الذي كان دائمًا موضوع الخلاف بين المسلمين واليهود فهو عبارة عن ثلاثين مترًا من الحائط الخارجي المذكور ويمتد أمام ذلك القسم من الحائط رصيف لا يستطاع سلوكه إلا من الطرف الشمالي من زقاق ضيق يبتدئ من باب السلسلة ويمتد هذا الرصيف جنوبًا إلى حائط آخر. ويفصل هذا الحائط بخط مستقيم رصيف - حائط البراق - عن بضعة بيوت عربية خصوصية وعن موقع مسجد البراق في الجهة الجنوبية (67) الذي هدمه اليهود عند إزالتهم حارة المغاربة في أعقاب احتلالهم لمدينة القدس عام 1967 (8) .
ويقوم عند الطرف الشمالي من الرصيف حائط ثالث فيه باب يفصل هذه الجهة عن الفناء الكائن أمام مقر المرحوم الحاج (أمين الحسيني) وقد قامت سلطات الاحتلال بمصادرة هذا المقر وحولته إلى كنيس يهودي (69) .