فهرس الكتاب

الصفحة 3742 من 27345

عن الوليد بن مسلم قال سفيان الثوري: لا يأمر السُّلطان بالمعروف إلا رجلٌ عالم بما يأمر ؛ عالم بما ينهى ، رفيق فيما يأمر ؛ رفيق فيما ينهى ، عدل فيما يأمر عدل فيما ينهى . ( 5)

وكذلك الجاهل يعامل بخلاف من عنده علم , كما في قصة الأعرابي الذي بال في المسجد .

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ بَيْنَمَا نَحْنُ فِي الْمَسْجِدِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَقَامَ يَبُولُ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَهْ مَهْ , قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تُزْرِمُوهُ دَعُوهُ فَتَرَكُوهُ حَتَّى بَالَ ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَاهُ فَقَالَ لَهُ: إِنَّ هَذِهِ الْمَسَاجِدَ لَا تَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنْ هَذَا الْبَوْلِ وَلَا الْقَذَرِ إِنَّمَا هِيَ لِذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَالصَّلَاةِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَأَمَرَ رَجُلًا مِنْ الْقَوْمِ فَجَاءَ بِدَلْوٍ مِنْ مَاءٍ فَشَنَّهُ عَلَيْهِ . (6 )

قال ثابت: إن صلة بن أشيم وأصحابه مر بهم فتى يجر ثوبه , فهم أصحاب صلة أن يأخذوه بألسنتهم أخذا شديدا , فقال صلة دعوني أكفكم أمره , فقال يا ابن أخي إن لي إليك حاجة , قال وما حاجتك قال أحب أن ترفع إزارك , قال: نعم ونعمى عين , فرفع إزاره فقال صلة لأصحابه: هذا كان أمثل مما أردتم , لو شتمتموه وآذيتموه لشتمكم . (7 )

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:

وكذلك الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ؛ لا يجب على كلِّ أحدٍ بعينه , بل هو على الكفاية كما دل عليه القرآن ، ولما كان الجهاد مِن تمام ذلك كان الجهاد أيضا كذلك , فإذا لم يقم به مَن يقوم بواجبه أثم كلُّ قادرٍ بحسب قدرته , إذ هو واجبٌ على كلِّ إنسانٍ بحسب قدرته , كما قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَان"ِ . (8 )

وإذا كان كذلك فمعلوم أنَّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإتمامه بالجهاد ؛ هو مِن أعظم المعروف الذي أمرنا به , ولهذا قيل:"ليكن أمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر غير منكر"، وإذا كان هو مِن أعظم الواجبات والمستحبات , فالواجبات والمستحبات لابد أن تكون المصلحة فيها راجحة على المفسدة , إذ بهذا بُعثت الرسل ونَزلت الكتب { وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ } بل كلُّ ما أمر الله به فهو صلاحٌ . وقد أثنى الله على الصلاح والمصلحين { وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ } وذم المفسدين في غير موضع , فحيث كانت مفسدة الأمر والنهي أعظم من مصلحته ؛ لم تكن مما أمر الله به , وإن كان قد ترك واجب وفعل محرم , إذ المؤمن عليه أن يتقي الله في عباده وليس عليه هداهم .

وهذا معنى قوله تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ } والاهتداء إنما يتم بأداء الواجب , فإذا قام المسلم بما يجب عليه مِن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما قام بغيره مِن الواجبات ؛ لم يضرَّه ضلال الضُلاَّل , وذلك يكون تارة بالقلب , وتارة باللسان , وتارة باليد , فأما القلب فيجب بكل حالٍ إذ لا ضرر في فعله , ومَن لم يفعله فليس هو بمؤمن كما قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم"وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ"وقال"وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنْ الْإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ"

وقيل لابن مسعود: مَنْ مَيِّتُ الأَحْيَاءِ ؟ فَقَالَ: الَّذِي لا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا ولا يُنْكِرُ مُنْكَرًا . ( 9) وهذا هو المفتون الموصوف في حديث حذيفة بن اليمان.

وهنا يغلط فريقان مِن النَّاس: فريقٌ يترك ما يجب مِن الأمر والنهي تأويلًا لهذه الآية ؛ كما قال أبو بكر الصديق رضى الله عنه في خطبته"إنكم تقرؤون هذه الآية { عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ } وإنكم تضعونها في غير موضعها , وإني سمعت النَّبيّ صلى الله عليه وسلم يقول:"إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوا الْمُنْكَرَ فَلَمْ يُغَيِّرُوه أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمْ اللَّهُ بِعِقَابٍ مِنْهُ". (10 ) "

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت