فهرس الكتاب

الصفحة 3743 من 27345

والفريق الثاني: مَن يريد أن يأمر وينهى إما بلسانه وإما بيده مطلقا ؛ مِن غير فقهٍ وحلمٍ وصبرٍ ونظرٍ ؛ فيما يصلح مِن ذلك ومالا يصلح ، وما يَقدر عليه ومالا يَقدر كما في حديث أبى ثعلبة الخشني سألتُ عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"بَلْ ائْتَمِرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنَاهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ حَتَّى إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا وَهَوًى مُتَّبَعًا وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ , فَعَلَيْكَ بِخَاصَّةِ نَفْسِكَ وَدَعْ الْعَوَامَّ فَإِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامًا الصَّبْرُ فِيهِنَّ مِثْلُ الْقَبْضِ عَلَى الْجَمْرِ لِلْعَامِلِ فِيهِنَّ مِثْلُ أَجْرِ خَمْسِينَ رَجُلًا يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِكُمْ"، فيأتي بالأمر والنهي معتقدًا أنه مطيعٌ في ذلك لله ورسوله ؛ وهو معتدٍ في حدوده كما انتصب كثيرٌ مِن أهل البدع والأهواء كالخوارج والمعتزلة والرافضة وغيرهم ممن غلط فيما أتاه من الأمر والنهى والجهاد على ذلك , وكان فسادُه أعظمَ مِن صلاحه , ولهذا أمر النَّبيّ صلى الله عليه وسلم بالصبر على جور الأئمة , ونهى عن قتالهم ما أقاموا الصلاة وقال:"أَدُّوا إِلَيْهِمْ حَقَّهُمْ وَسَلُوا اللَّهَ حَقَّكُمْ" ( 11) وقد بسطنا القول في ذلك في غير هذا الموضع .

ولهذا كان مِن أصول أهل السنة والجماعة لزوم الجماعة , وترك قتال الأئمة وترك القتال في الفتنة ، وأما أهل الأهواء كالمعتزلة , فيروْن القتال للأئمة مِن أصول دينهم , ويجعل المعتزلة أصول دينهم خمسة (التوحيد) الذي هو سلب الصفات , و (العدل) الذي هو التكذيب بالقدر , و (المنزلة بين المنزلتين) , و (إنفاذ الوعيد) , و (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) الذي منه قتال الأئمة.

وقد تكلمتُ على قتال الأئمة في غير هذا الموضع , وجماع ذلك داخل في القاعدة العامة فيما إذا تعارضت المصالح والمفاسد والحسنات والسيئات , أو تزاحمت فإنه يجب ترجيح الراجح منها فيما إذا ازدحمت , والمصالح والمفاسد , وتعارضت المصالح والمفاسد فإن الأمر والنهى , وإن كان متضمنًا لتحصيل مصلحةٍ ودفع مفسدةٍ , فينظر في المعارض له ؛ فإن كان الذي يفوت مِن المصالح أو يحصل مِن المفاسد أكثر ؛ لم يكن مأمورًا به بل يكون محرَّما , إذا كانت مفسدته أكثر مِن مصلحته ؛ لكن اعتبار مقادير والمصالح والمفاسد هو بميزان الشريعة , فمتى قدر الإنسان على اتباع النصوص لم يعدل عنها , وإلا اجتهد برأيه لمعرفة الأشباه والنظائر , وقلَّ أن تعوز النصوص مَن يكون خبيرًا بها وبدلالتها على الأحكام .

وعلى هذا إذا كان الشخص أو الطائفة جامعين بين معروفٍ ومنكرٍ بحيث لا يفرقون بينهما , بل إما أن يفعلوهما جميعًا أو يتركوهما جميعًا , لم يجز أن يَأمروا بمعروفٍ ولا أن يَنهوا عن منكرٍ , بل ينظر فإن كان المعروف أكثر أَمر به , وإن استلزم ما هو دونه مِن المنكر , ولم يَنه عن منكرٍ يستلزم تفويتَ معروفٍ أعظمَ منه , بل يكون النهي حينئذ مِن باب الصدِّ عن سبيل الله , والسعي في زوال طاعته وطاعة رسوله , وزوال فعل الحسنات . وإن كان المنكر أغلب ؛ نهى عنه وإن استلزم فوات ما هو دونه مِن المعروف , ويكون الأمر بذلك المعروف المستلزم للمنكر الزائد عليه أمرًا بمنكرٍ وسعيًا في معصية الله ورسوله , وإن تكافأ المعروف والمنكر المتلازمان ؛ لم يؤمر بهما ولم ينه عنهما.

فتارةً يصلح الأمر , وتارةً يصلح النهي , وتارةً لا يصلح لا أمرٌ ولا نهي ؛ حيث كان المعروف والمنكر متلازمين , وذلك في الأمور المعينة الواقعة .

وأما مِن جهة النوع فيؤمر بالمعروف مطلقًا , وينهى عن المنكر مطلقًا , وفي الفاعل الواحد والطائفة الواحدة , يؤمر بمعروفها وينهى عن منكرها , ويحمد محمودها , ويذم مذمومها , بحيث لا يتضمن الأمر بمعروف فوات أكثر منه , أو حصول منكر فوقه , ولا يتضمن النهى عن المنكر حصول أنكر منه , أو فوات معروف أرجح منه .

وإذا اشتبه الأمر استبان المؤمن ؛ حتى يتبين له الحق , فلا يقدم على الطاعة إلا بعلمٍ ونيةٍ , وإذا تركها كان عاصيًا فترك الأمر الواجب معصية , وفعل ما نهى عنه من الأمر معصية , وهذا باب واسع ولا حول ولا قوة إلا بالله .

ومِن هذا الباب إقرار النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن أبى وأمثاله مِن أئمة النفاق والفجور , لما لهم مِن أعوانٍ , فإزالةُ منكره بنوعٍ مِن عقابه مستلزمةٌ إزالة معروفٍ أكثر مِن ذلك , بغضب قومه , وحميتهم , وبنفور الناس إذا سمعوا أن محمدًا يقتل أصحابه , ولهذا لما خاطب النَّاس في قصة الإفك بما خاطبهم به واعتذر منه , وقال له سعد بن معاذ قوله الذي أحسن فيه , حمى له سعد بن عبادة مع حسن إيمانه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت