فهرس الكتاب

الصفحة 3852 من 27345

قبل أن أبدأ بذكر هذه الصور لا ننسى أن من أراد فهم هذه الدرجة من تنقية القلب، وسلامة الصدر كما ينبغي، فلينظر إلى سيرة النبي صلى الله عليه وسلم مع الناس؛ يجدها مليئة بل يجد هذه الدرجة بعينها، ولم يكن كمال هذه الدرجة لأحد مثله صلى الله عليه وآله وسلم .

الصورة الأولى: وهى التي لا نطيق: قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: [كُنَّا جُلُوسًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: [ يَطْلُعُ عَلَيْكُمْ الْآنَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ] فَطَلَعَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ تَنْطِفُ لِحْيَتُهُ مِنْ وُضُوئِهِ قَدْ تَعَلَّقَ نَعْلَيْهِ فِي يَدِهِ الشِّمَالِ فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَ ذَلِكَ فَطَلَعَ ذَلِكَ الرَّجُلُ مِثْلَ الْمَرَّةِ الْأُولَى فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّالِثُ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَ مَقَالَتِهِ أَيْضًا فَطَلَعَ ذَلِكَ الرَّجُلُ عَلَى مِثْلِ حَالِهِ الْأُولَى فَلَمَّا قَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَبِعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فَقَالَ إِنِّي لَاحَيْتُ أَبِي فَأَقْسَمْتُ أَنْ لَا أَدْخُلَ عَلَيْهِ ثَلَاثًا فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تُؤْوِيَنِي إِلَيْكَ حَتَّى تَمْضِيَ فَعَلْتَ قَالَ نَعَمْ قَالَ أَنَسٌ وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ يُحَدِّثُ أَنَّهُ بَاتَ مَعَهُ تِلْكَ اللَّيَالِي الثَّلَاثَ فَلَمْ يَرَهُ يَقُومُ مِنْ اللَّيْلِ شَيْئًا غَيْرَ أَنَّهُ إِذَا تَعَارَّ وَتَقَلَّبَ عَلَى فِرَاشِهِ ذَكَرَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَكَبَّرَ حَتَّى يَقُومَ لِصَلَاةِ الْفَجْرِ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ غَيْرَ أَنِّي لَمْ أَسْمَعْهُ يَقُولُ إِلَّا خَيْرًا فَلَمَّا مَضَتْ الثَّلَاثُ لَيَالٍ وَكِدْتُ أَنْ أَحْتَقِرَ عَمَلَهُ قُلْتُ يَا عَبْدَ اللَّهِ إِنِّي لَمْ يَكُنْ بَيْنِي وَبَيْنَ أَبِي غَضَبٌ وَلَا هَجْرٌ ثَمَّ وَلَكِنْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لَكَ ثَلَاثَ مِرَارٍ: [يَطْلُعُ عَلَيْكُمْ الْآنَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ] فَطَلَعْتَ أَنْتَ الثَّلَاثَ مِرَارٍ فَأَرَدْتُ أَنْ آوِيَ إِلَيْكَ لِأَنْظُرَ مَا عَمَلُكَ فَأَقْتَدِيَ بِهِ فَلَمْ أَرَكَ تَعْمَلُ كَثِيرَ عَمَلٍ فَمَا الَّذِي بَلَغَ بِكَ مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ مَا هُوَ إِلَّا مَا رَأَيْتَ قَالَ فَلَمَّا وَلَّيْتُ دَعَانِي فَقَالَ مَا هُوَ إِلَّا مَا رَأَيْتَ غَيْرَ أَنِّي لَا أَجِدُ فِي نَفْسِي لِأَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ غِشًّا وَلَا أَحْسُدُ أَحَدًا عَلَى خَيْرٍ أَعْطَاهُ اللَّهُ إِيَّاهُ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ هَذِهِ الَّتِي بَلَغَتْ بِكَ وَهِيَ الَّتِي لَا نُطِيقُ] رواه أحمد. أرأيت يا أخي كيف أن تنقية القلب والصدر من الغل والأحقاد، ومن الغش للمسلمين كانت سببًا لدخول هذا الرجل الجنة!

الصورة الثانية: أيعجز أحدكم أن يكون كأبي ضمضم ؟! روي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [ أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَكُونَ مِثْلَ أَبِي ضَمْضَمٍ] قَالُوا: وَمَنْ أَبُو ضَمْضَمٍ؟ قَالَ: [رَجُلٌ فِيمَنْ كَانَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانَ إِذَا أَصْبَحَ قَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي قَدْ تَصَدَّقْتُ بِعِرْضِي عَلَى عِبَادِكَ] رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وقال الألباني في الإرواء عن هذا الحديث: والمحفوظ عن قتادة وإسناده صحيح إلى قتادة . أرأيت صفة أبي ضمضم؟! قال ابن القيم:'والجود عشر مراتب- ثم ذكرها إلى أن قال- السابعة: الجود بالعرض كجود أبي ضمضم من الصحابة رضى الله تعالى عنهم- ثم ذكر الحديث السابق، ثم قال:- وفي هذا الجود من سلامة الصدر، وراحة القلب، والتخلص من معاداة الخلق ما فيه' ' مدارج السالكين 2/295' .

الصورة الثالثة: ما عندي إلا عرضي: عن كثير بن عبد الله بن عوف عن أبيه عن جده:' أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حث يومًا على الصدقة، فقام علبة بن زيد، فقال: ما عندي إلا عرضي، فإني أشهدك يا رسول الله أنى تصدقت بعرضي على من ظلمني، ثم جلس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [ أين علبة بن زيد] قالها مرتين أو ثلاثًا، فقام علبة، فقال: [ أنت المتصدق بعرضه، قد قبل الله منك] رواه البزار:" كتاب الزكاة، باب: فيمن تصدق بعرضه" وقال الهيثمي:' رواه البزار وفيه كثير بن عبد الله وهو ضعيف'. فانظر إلى حال صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، كانوا يتصدقون بأعراضهم: يعفون، ويصفحون عمن سبهم وشتمهم، وضربهم واغتابهم، أو ذكرهم بشيء لا يرضونه، فماذا نقول نحن لأنفسنا أيها الأحبة؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت