وتدور عجلة الزمن ، ويدخل الناس في دين الله أفواجًا ، ويختلط العجم بالعرب ، وتبدأ إفرازات ذلك الاختلاط على شكل رواسب و دواخل عقائدية وسياسية . وتظهر الحركات الباطنية والمنحرفة والهدامة التي بدأت تنخر في جسد الامة .
وهنا ينبري كبار علماء الأمة وربانيوها ، من أمثال: الإمام ابن تيمية ، وتلميذه ابن القيم ، وغيرهم ، رضوان الله عليهم .
وتدور رحى معركة فكرية هائلة ، تخلف لنا ذلك التراث الضخم من العلوم والكتب والمؤلفات، التي ترد على تلك الفرق الضالة وتعرّيها ...
والسؤال الذي يطرح نفسه الآن ، والذي نستطيع من خلال الإجابة عليه أن نضبط كل أقوالنا وأفعالنا وتحركاتنا على منهج الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ، وأصحابه الأعلام رضوان الله عليهم هو: أين موقعنا نحن اليوم - في هذا الجيل الذي يدلف إلى القرن الحادي والعشرين الميلادي- من هذا الخط البياني للأمة ؟
وأهمية الإجابة على مثل هذا التساؤل المهم ، تكمن في تمكيننا من تحديد موقعنا ، ومعرفة مرحلتنا، لنتمكن من الاستفادة من ذات النصوص والتعليمات ، ونحتكم لنفس الأوامر والتوجيهات ، التي استفاد منها الرعيل الأول ، الذي عاش نفس ظرفنا ، ومر بنفس مرحلتنا ، .
وتمكيننا أيضًا من تحديد أسبقياتنا ، وترتيب أولوياتنا ، ومعرفة فروض أوقاتنا ، لمقتضيات المرحلة ذاتها، بما يمكننا بعون الله ، من تحقيق أهدافنا والوصول الى غاياتنا، في أسرع وقت ، وأقل جهد ، وأخف تضحيات ممكنة …
فإذا اتفقنا مثلًا ، على أن مرحلتنا التي يمر بها جيلنا اليوم ، مشابهة لمرحلة الأحزاب من سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم ، يوم اجتمع الكفر كلّه لملاقاة الإيمان كلّه ، ورمت قوى الكفرٍ المسلمينَ عن قوس واحدة، فيجب أن نفقه بمنتهى العمق والدراية ، ظروف وملابسات تلك المرحلة ، ويجب أن نعي جيدًا ، النصوص والتعليمات والتوجيهات ، الربانية والنبوية، التي قادت تلك المرحلة . ونستخرج بفقه حقيقي وبراعة اجتهادية ، الدروس والعبر والعظات المستنبطة منها . ونحدد بوضوح تام جدول الأولويات الذي سار عليه النبي الكريم صلى الله عليه وسلم وأصحابه الميامين رضوان الله عليهم فيها .
فإذا كانت أولويات تلك المرحلة تركز على الجهاد في سبيل الله ، وبذل الأنفس والأموال والأولاد للدفاع عن العقيدة المهدّدة في المدينة المنوّرة المجتاحة والمحاصرة ، فكيف يجرؤ شخص ، كائنا من يكون ، ممن ينتمي الى هذه الأمة ، ويدّعي محبة رسولها ، وفهم سيرته الشريفة ، أن يخرج على هذا المنهج ، ليصرف الأمة عن واجبات مرحلتها الحقيقية ، وفروض أوقاتها المقدّسة ، إلى دعوات قميئة ، ك (السلام ) و ( الصلح ) و ( التطبيع ) ...إلخ .
وإذا وجد _ في غير العراق المحتل _ من تسوغ له اجتهاداته الشخصيّة مثل هذا التصرف الخطير، بدعوى ( الواقعية ) و ( العقلانية ) و ( الموضوعية ) والانبطاحية والانهزامية والاستسلامية ... !!!
فهل يجوز لعراقي نشمي ، رضع لبان عراقية ماجدة ، وأكل من ثمار نخيل البصرة ، وشرب من مياه دجلة والفرات ، وتسمى بأسماء ( ...الراوي ) و ( ... السامرائي ) و ( ... الكبيسي ) وغيرهم ( ولا عليك بالأسماء العجمية ) ...هل يجوز له ، وهو يرى عراقه الحبيب يُذبح من الوريد إلى الوريد في كل لحظة ، وحرائره تغتصب ، ومقدّساته تهان ، ومدنه تدمّر ، وأمواله تسرق ، في واحدة من أفظع الجرائم الخسيسة التي تزلزل عرش الله ، أن يشغل العراقيين والأمة بمحاضرات باردة ، وندوات تافهة ، وبرامج مقززة تثير الإشمئزاز والتقيؤ ، عن ( إعجاز الضوء ) ، و ( سحر الكون ) ، و (عظمة الفضاء) ، و (تناهي صغر الذرة) أو عن ( الزهد ) و ( التسامح ) و ( العقّة ) و ( جلاء أدران القلوب ) ..!؟
أي والله ، هذا ما أشاهده على بعض الفضائيات العراقية والعربية ، وأنا في طريقي لتتبع أخبار العراق المذبوح والأمة المبطوحة ، ولطالما انعقدت لديّ مقارنة لا إرادية ، ولكنها كانت مقزّزة ، بين لقطة ( الدماء) و ( الأشلاء ) و ( النساء منثورات الشعور ) و ( المنازل المدمّرة ) !!!
وبين ثلة من المعمّمين وأصحاب اللحى ، المتحلّقين حول مائدة مستديرة ، يتدارسون ويتناقشون ويتبارون لساعات وأيام وليالي عن خصائص ( الضوء ) و ( السكون ) و ( الهدوء ) ...!!! أي والله ...!!!!!!!!!
ما أود أن أخلص إليه من هذه الدراسة هو:
1.إن أمتنا عمومًا ، وبعض أجزائها على وجه الخصوص ، كالعراق مثلًا ، تمر في حالة حرجة للغاية ، حالة إسعافية ( باستخدام مصطلحاتنا الطبية ) .