كذب يؤاخذ عليه الإنسان ويلحقه الذنب: إن قصد أن يقول شيئًا يخالف به الحقيقة والواقع، فهذا يؤاخذ عليه ويكون مذمومًا آثمًا.
وأما الصنف الثاني: وهو ما لا يؤاخذ عليه: فيما لو وقع منه ذلك على سبيل الغلط، فيسمى ذلك بالكذب، ولكن صاحبه لا يلحقه ذنب .
هذا الفرق بين الإخلاص والصدق،، وقد يعبر بالصدق، ويراد به الإخلاص، فيقال: فلان يعامل ربه بصدق يعني: بإخلاص.
· وأما الفرق بين الإخلاص والنصح: فيمكن أن يقال في عبارة مختصرة: إن الإخلاص- كما سبق- إفراد الله عز وجل بالقصد، أما النصح: فهو استفراغ الوسع، وبذل الجهد في أداء العمل [انظر:الفوائد لابن القيم ص186] ، فتقول: فلان ناصح في عمله، فلان ناصح لتلامذته، فلان ناصح في صحبته، فلان ناصح لفلان، وليس المراد أن يقدم له نصائح إنما المراد أن يستفرغ جهده في إيصال النفع له بكل وجه مستطاع.
· ولربما عُبر بالإخلاص عن النصح، فقيل: فلان يعمل بإخلاص في كذا وكذا، أي: أنه يعمل بنصح، وإن كان المراد أنه يعمل يريد وجه الله فقط، فيكون ذلك من باب توحيد القصد والإرادة، يعمل بإخلاص أي: يريد وجه الله لا يريد شيئًا آخر. ويمكن أن نقول: فلان يعمل بإخلاص أي: أنه يبذل طاقته ووسعه وجهده ولا يتوانى في القيام بالمهمة التي وُكلت إليه، وبهذا نعرف الفرق بين الإخلاص والنصح وبينه وبين الصدق .
ثالثًا: منزلة الإخلاص من الدين وأهميته: وهذا يتبين من وجوه مختلفة:
أولًا: أن الإخلاص هو روح العمل: فعمل لا إخلاص فيه كجسد لا روح فيه، فهو بمنزلة الروح من الجسد، يقول ابن القيم رحمه الله:'ومِلاَك ذلك كله: الإخلاص والصدق، فلا يتعب الصادق المخلص، فقد أُقيم على الصراط المستقيم فيُسَار به وهو راقد، ولا يتعب من حُرم الصدق والإخلاص فقد قُطعت عليه الطريق واستهوته الشياطين في الأرض حيران، فإن شاء فليعمل، وإن شاء فليترك، فلا يزيده عمله من الله إلا بُعدًا، وبالجملة: فما كان لله وبالله فهو من جند النفس المطمئنة' [الروح ص227] .
وما أجمل وما أحلى عبارة ابن الجوزي رحمه الله، حيث قال في كتاب له لطيف اسمه:'اللطف في الوعظ':' الإخلاص مِسْك مَصُون في مَسكِ القلب - أي: أنه محفوظ في هذا الوعاء الذي هو القلب - ينُبئ ريحه على حامله، العمل صورة والإخلاص روح، إذا لم تخلص فلا تتعب، لو قطعت سائر المنازل - في الحج - لم تكن حاجًا إلا ببلوغ الموقف' .
وهو بهذا يريد أن يقول: إن منزلة الإخلاص من الأعمال كمنزلة الوقوف بعرفة من أعمال الحج، ولو أن الإنسان ذهب إلى منى، ومزدلفة، وطاف بالبيت الحرام، وما إلى ذلك من الأعمال التي يعملها الحجاج، ولم يقف بعرفة، هل يكون ذلك الإنسان حاجًا؟ الجواب: لا، يقول: لو قَطَعتَ سائر المنازل لم تكن حاجًا إلا ببلوغ الموقف . وصدق رحمه الله، وتأمل قوله قبله:'الإخلاص مِسْك مَصُون في مَسك القلب يُنبيء ريحهُ على حامله' فالإخلاص لا يحتاج منك إلى إظهار، ولا يحتاج منك إلى إعلام للناس أنك مخلص، وإنما يظهر ذلك في حركات الإنسان، وسكناته، وتظهر آثاره على العبد . وأما الذي يتصنع للناس، ويسعى لإعلامهم بعمله، وصلاح قلبه، وما إلى ذلك، فالواقع أنه يُحطم الإخلاص في قلبه، ولا يزيده ذلك إلا شَينًا في قلوب الخلق، والله المستعان.
فبهذا نعلم: أن الإخلاص هو عمود العمل، وهو سنامه؛ لأن العامل بدون إخلاص كادح متعب نفسه، لا أجر له، فالله عز وجل يقول: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا [23] { [سورة الفرقان] . والنبي صلى الله عليه وسلم يقول في الحديث المشهور: [ إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ...] رواه البخاري ومسلم. والله يقول جل جلاله:...لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا... [7] { [سورة هود] . ولم يقل: ليبلوكم أيكم أكثر عملًا، فليست العبرة بالكثرة إنما العبرة بالصواب مع حسن القصد:
· قال الفضيل بن عياض رحمه الله - تعليقًا على هذه الآية في بيان معنى: أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا {قال:' أخلصه وأصوبه' قالوا: يا أبا علي ما أخلصه وأصوبه ؟ قال:' إن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يقبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يقبل حتى يكون خالصًا صوابًا، والخالص: أن يكون لله، والصواب: أن يكون على السنة، ثم قرأ:} فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا [110] { [سورة الكهف] '.
· ويقول ابن القيم رحمه الله:' العمل بغير إخلاص ولا إقتداء كالمسافر يملأ جرابه رملًا ينقله ولا ينفعه' . فهو ليس له من هذا الجراب وهذا الحمل إلا التعب، فمن حمل التراب على ظهره، فإن ذلك لا ينفعه؛ لأنه لا نفع فيه.
· ويقول ابن حزم- مبينًا هذا المعنى-:'النية: سر العبودية، وهى من الأعمال بمنزلة الروح من الجسد، ومحال أن يكون في العبودية عمل لا روح فيه؛ إذ هو بمنزلة الجسد الذي لا روح فيه، وهو جسد خراب'.