· وهذا الأحنف بن قيس رحمه الله تعالى يقول في حكمة بليغة:' رأس الأدب آلة المنطق، لا خير في قول بلا فعل، ولا في منظر بلا مخبر، ولا في مال بلا جود، ولا في صديق بلا وفاء، ولا في فقه بلا ورع، ولا في صدقة بلا نية'. وإن شئت فقل: ولا عمل بلا نية .
ثانيًا: أنه لا سبيل إلى الخلاص والانفكاك من التبعات إلا بالإخلاص: فالإنسان يحاسَب على أعماله، ويحاسَب على نياته وإراداته، وإذا نُصبت الموازين، ووضعت الصحف؛ أبصر العبد بعد ذلك عمله، وعرف حاله ومنزلته عند الله عز وجل، يقول شمس الدين ابن القيم رحمه الله:' ما من فعلة وإن صغرت إلا ينشر لها ديوانان: لِمَ وكَيْفَ ؟؟ أي: لم فعلت، وكيف فعلت ؟
فالأول: سؤال عن علة الفعل، وباعثه وداعيه: هل هو حظ عاجل من حظوظ العامل، وغرض من أغراض الدنيا من حب المدح من الناس، أو خوف ذمهم، أو استجلاب محبوب عاجل، أو دفع مكروه عاجل ؟! أم الباعث على الفعل القيام بحق العبودية، وطلب التودد والتقرب إلى الرب سبحانه وتعالى، وابتغاء الوسيلة إليه ؟! ومحل هذا السؤال أنه: هل كان عليك أن تفعل هذا الفعل لمولاك، أم فعلته لحظك وهواك ؟
والثاني:سؤال عن متابعة الرسول عليه الصلاة والسلام في ذلك التعبد: أي هل كان ذلك العمل مما شرعته لك على لسان رسولي، أم كان عملًا لم أشرعه ولم أرضه؟
فالأول: سؤال عن الإخلاص، والثاني: عن المتابعة، فإن الله سبحانه لا يقبل عملًا إلا بهما، وطريق التخلص من السؤال الأول: بتجريد الإخلاص، وطريق التخلص من السؤال الثاني: بتحقيق المتابعة وسلامة القلب من إرادة تعارض الإخلاص، وهوى يعارض الاتباع، فهذه حقيقة سلامة القلب التي ضمنت له النجاة والسعادة' [إغاثة اللهفان 1/8] .
ولهذا كان معروف الكرخي رحمه الله يحث نفسه دائما، ويردد عليها:' يا نفس أخلصي تتخلصي.. يا نفس أخلصي تتخلصي' .
ثالثًا: من الأمور الدالة على أهمية الإخلاص، وعظيم منزلته: أنه حقيقة الإسلام الذي بعث الله عز وجل به المرسلين عليهم الصلاة والسلام: كما ذكر الشيخ تقي ابن تيمية رحمه الله، فقال:' إذ الإسلام هو الاستسلام لله لا غيره كما قال الله تعالى: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا... [29] { [سورة الزمر] . يقول: فمن لم يستسلم لله؛ فقد استكبر، ومن استسلم لله ولغيره؛ فقد أشرك، وكل من الكبر والشرك ضد الإسلام والإسلام ضد الشرك والكبر' [مجموع الفتاوى 10/14] .
رابعًا: مما يدل على أهميته أنه الفطرة التي فطر الله الناس عليها وبه قوام الأمة [انظر:درء التعارض8/374 ] : فالله ما فطر الناس على الرياء، وعلى المقاصد السيئة، وعلى الشرك بالله عز وجل، إنما فطرهم على التوحيد، ولا شك أن الإخلاص هو التوحيد، مر عمر بن الخطاب رضي الله عنه على معاذ بن جبل فسأله:' ما قوام هذه الأمة؟' فقل معاذ:' ثلاث وهن المنجيات: الإخلاص: وهو الفطرة فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا... [30] { [سورة الروم] . والصلاة: وهى الملة. والطاعة: وهى العصمة' فقال عمر رضى الله عنه:' صدقت' .
ومن هنا نعلم شأن الإرادات والمقاصد والنيات، وخطرها، وعظيم أثرها وشأنها، ولهذا قال يحي أن أبي كثير رحمه الله تعالى:' تعلموا النية؛ فإنها أبلغ من العمل' . وذلك لأنها تبلغ بصاحبها ما لا يبلغه عمله- كما سيأتي إن شاء الله-ويقول ابن أبي جمرة- وهو أحد شراح الصحيح-:' وددت أنه لو كان من الفقهاء من ليس له شغل إلا أن يعلم الناس مقاصدهم في أعمالهم، ويقعد في تدريس أعمال النيات ليس إلا؛ فإنه ما أتي على كثير من الناس إلا من تضييع ذلك'.
رابعًا: الإخلاص في الكتاب والسنة:
· الإخلاص يذكر في كتاب الله عز وجل كثيرًا:
تارة: يأمر الله عز وجل به، كقوله: فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ... [65] [سورة غافر] .
وتارة: يخبر أنه دعاء الله لخلقه: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ... [5] [سورة البينة] .
وتارة: يخبر أن الجنة لا تصلح إلا لأهله، كما قال: إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ [40] أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ [41] فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ [42] فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ [43] [سورة الصافات] .
وتارة: يخبرنا بمواضع أنه لن ينجو من شَرِكِ إبليس إلا من كان مُخلِصًا لله عز وجل، كما قال: إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ [40] { [سورة الحجر] . بعدما توعد أنه سيضل الخلق أجمعين، ويستهويهم بوساوسه وخواطره، وإضلاله وتزيينه.
· وأما ما ورد في السنة فكثير، ومن ذلك: