فهرس الكتاب

الصفحة 3953 من 27345

ما جاء عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ أَرَأَيْتَ رَجُلًا غَزَا يَلْتَمِسُ الْأَجْرَ وَالذِّكْرَ - يعني يريد الأجر من الله عز وجل، ويريد أن يُذكر يقال: فلان مجاهد - مَالَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [ لَا شَيْءَ لَهُ] فَأَعَادَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ يَقُولُ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [ لَا شَيْءَ لَهُ] ثُمَّ قَالَ: [ إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ مِنْ الْعَمَلِ إِلَّا مَا كَانَ لَهُ خَالِصًا وَابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُهُ] رواه النسائي، وهو حديث حسن الإسناد .

وجاء من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنْ الشِّرْكِ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ] رواه مسلم . فالأعمال التي تختلط فيها الإرادات، ويتلفت صاحبها يمنة ويسرة يريد ما عند الله، ويريد ما عند المخلوقين؛ هذه الله غني عنها، ولا يعبأ بها، ولا يقيم لها وزنًا.

وجاء من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ما يبين أن محل نظر الله عز وجل إلى قلب العبد، وهو محل الإخلاص، والقصد والنية، كما في قوله عليه الصلاة والسلام: [إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ] وفي لفظ: [ إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى أَجْسَادِكُمْ وَلَا إِلَى صُوَرِكُمْ] رواه مسلم.

وحديث: [ إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ...] رواه البخاري ومسلم. شاهد واضح في الدلالة على هذا المعنى، ونحن لو أردنا أن نستقصي الآيات والأحاديث التي تدل على أهمية الإخلاص، ومنزلته، وعظيم أثره؛ لما كفى لاستيعابها هذا المجلس بل ولا مجالس، ويكفي من القلادة ما أحاط بالعنق .

خامسا: مراتب الإخلاص: يمكن أن نقول بأن العمل الذي يكون خالصًا مقبولًا على مرتبتين إحداهما أعلى من الأخرى:

المرتبة الأولى: أن يتمحض القصد لإرادة وجه الله عز وجل، وما عنده من الثواب والجزاء، ولا يلتفت العبد إلى شيء آخر- وإن كان مباحًا-:

· فهو يجاهد يريد ما عند الله فقط لا يريد غنيمة، فضلًا عن المقاصد السيئة كالرياء والسمعة.

· وهو يصوم يريد ما عند الله عز وجل، ولا يلتفت لأمر يجوز الالتفات إليه كتخفيف الوزن، أو تحسين صحة البدن، أو الحمية، أو ما إلى ذلك.

· وكالذي يمشي إلى المسجد ليكثر الخطى التي يتقرب بها إلى مولاه لا يلتفت لمعنى آخر، وهو أن ينشط بدنه، ويتقوى هذا البدن، وإنما يلتفت إلى المعنى الأول فقط فهذا أعلى المراتب.

المرتبة الثانية:العمل يكون مقبولًا إلا أنه دون الأول، وهو أن يقصد العبد وجه الله عز وجل بالعمل، ولكنه يلتفت إلى معنى يجوز الالتفات إليه:

· كالذي يحج يريد وجه الله عز وجل، ويريد أيضًا التجارة، فهذا لا مانع منه، والله عز وجل يقول: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ ... [198] { [سورة البقرة] . والمعنى: أن تبتغوا فضلًا من ربكم أي بالتجارة في مواسم الحج .

· وكالذي يحج لأنه يحمل معه جموعًا من الحجاج يأخذ منهم أجرة على ذلك، فهذا يريد وجه الله عز وجل، ويريد هذا المغنم العاجل، فحجه صحيح، ولكن مرتبته دون الأول، دون الذي ذهب إلى الحج لا يريد إلا ما عند الله .

· وكالذي يصوم لله عز وجل، وهو يستحضر في نفسه معنى آخر، وهو أن يصح بدنه.

· وكالذي يحضر لصلاة الجماعة تلبيةً لأمر الله عز وجل، وطاعة وعبودية له، ويلتفت لأمر آخر يجوز الالتفات إليه أن تثبت عدالته، وأن تقبل شهادته؛ لأن الذي لا يحضر مع الجماعة لا تثبت له عدالة، ولا تقبل له شهادة، ولا شك أن المسلم مطالب بتحصيل الأمور التي تثبت بها عدالته، وهذا غير الرياء والسمعة، هذا أمر يجوز الالتفات إليه، ولكن من نظر إلى هذا المعنى فهو دون الأول.

إذًا هما مرتبتان: أن يتمحض القصد لله عز وجل، الثانية: أن يريد وجه الله، ويلتفت إلى معنى آخر يجوز الالتفات إليه، هذه مراتب ودرجات المخلصين، الذين يقبل الله عز وجل أعمالهم، ولا تتكدر بشيء من الإشراك .

سادسًا: صعوبة الإخلاص: الإخلاص أمر عسير شاق على النفس، صعب عليها، يحتاج صاحبه إلى مجاهدة عظيمة، ويحتاج العبد معه إلى مراقبة للخطرات والحركات، والواردات التي ترد على قلبه، فيحتاج إلى كثرة تضرع لله عز وجل- كما سيأتي- يقول أويس القرني رحمه الله:'إذا قمت فادعو الله يصلح لك قلبك ونيتك، فلن تعالج شيئًا أشد عليك منهما' .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت