فهرس الكتاب

الصفحة 4019 من 27345

ذكر الطبري في تفسيره عدة روايات عن إفساد بني إسرائيل وعن المسلَّطين عليهم، فقال في رواية أن أول الفسادين: قتل زكريا فبعث الله عليهم ملك النبط ويُدعى صحابين، وقال في رواية أخرى: كان إفسادهم الذي يفسدون في الأرض مرتين: قتل زكريا ويحيى بن زكريا، سلط الله عليهم سابور ذا الأكتاف ملكًا من ملوك فارس لقتلهم زكريا عليه السلام، وسلّط عليهم بختنصّر لقتلهم يحيى عليه السلام ، وقال في رواية ثالثة: إنّ إفسادهم الأول كان قتل أشعيا نبي الله؛ لأنّ زكريا مات موتًا ولم يُقتل، أما إفسادهم الثاني فلا خلاف عليه، فقد كان قتل يحيى بن زكريا عليهما السلام، وقال في رواية رابعة: كان الذي سلّط عليهم في المرة الأولى جالوت وهو من أهل الجزيرة، حتى بعث الله طالوت ومعه داوود فقتله داوود عليه السلام، وقال في رواية خامسة: بعث الله عليهم في المرة الأولى سنحاريب من أهل أثور ونينوى وقيل إنها الموصل. وقد ذكر القرطبي وابن كثير في تفسيريهما عن إفساد بني إسرائيل قريبًا مما ذكره الطبري مع تفصيل أقل في الحديث عن الإفسادين وعن المسلّطين عليهم ، لكننا حتى ندرك بُعدْ المفسرين القدماء عن الصواب نقارنه بما ورد في سورة الإسراء فنجد أن القرآن الكريم قد وصف بني إسرائيل بصفتين متلازمتين هما: الإفساد والعلوّ، وهو ما لم يحدث في كل الوقائع التي أشار إليها المفسرون القدماء ، فهم قد تحدثوا عن إفساد ولم يتحدثوا عن علوّ، وهذه أولى المفارقات ، أما المفارقة الثانية فإن القرآن قد وصف الناس الذي سيدخلون المسجد وسيدمرون ما بناه بنو إسرائيل بأنهم"عباد لنا"، والأرجح أنهم عباد مؤمنون خالصون لله، وهو مالم يتحقق في جالوت أو سنحاريب أو بختنصّر الخ...، إنّ عدم تطابق المواصفات التي طرحها المفسرون القدماء لدخول بني إسرائيل المسجد الأقصى مع المواصفات التي طرحها القرآن الكريم تجعلنا نرجّح أنّ المرة الأولى تنطبق على احتلالهم الحالي للأقصى الذي وقع في حرب حزيران عام 1967م وذلك لأنّ العلو اليهودي الذي قالت عنه الآية"ولتعلنّ علوًّا كبيرًا"فأكدته بالمفعول المطلق"علوًّا"ثم وصفته بالصفة"كبيرًا"نجد مصداقيته في العصر الحالي، فدولة بني إسرائيل كلمتها عالية، وأوامرها مستجابة، ووُدّها مطلوب، وجانبها مهاب، وانتصاراتها متتالية، وقوّتها أكبر من حجمها فهي الدولة النووية السادسة في العالم الخ . . . وقد ميّز القرآن العلوّ الثاني بأنّ بني إسرائيل سيصبحون فيه أكثر نفيرًا، أي أكثر"عددًا"وهو لم يتحقق في كل مرات الإفساد الثاني التي تحدث عنها المفسرون، فهم لم يصبحوا أكثر عددًا من الأقوام التي قاتلوها، وإنما سيتحقق في العلو الثاني الذي سيأتي في قادم الأيام بعد أن يدخل المؤمنون المسجد الأقصى، ويستعيدوه من أيدي بني إسرائيل، وينهوا إفسادهم الأول المتلازم مع علوّهم والذي وقع في إثر نكسة حزيران حسب اعتقادنا.

والسؤال الآن: لماذا تحدث القرآن الكريم عما كتبه على بني إسرائيل في معرض واقعة الإسراء والمعراج وفي سورة الإسراء؟ الحكمة من ذلك تنبيه حاملي ميراث النبوات إلى أهمية أرض النبوات في حياتهم القادمة، لذلك كانت الحروب مع إسرائيل في الحاضر وكانت الحروب الصليبية في الماضي أخطر ما واجه الأمة الإسلامية في حاضرها وماضيها وكان مدار الحربين المسجد الأقصى في الحاضر أو الأرض المقدسة المحيطة بالمسجد الأقصى في الماضي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت