فهرس الكتاب

الصفحة 4051 من 27345

وقوله صلى الله عليه وسلم: وأنزل في الأرض جزءًا واحدًا وفي رواية عطاء وأنزل منها رحمة واحدة لا بين الجن والإنس والبهائم .. وفي إطار هذه الرحمة يسر الله لكل وسيلة الحياة والحفاظ على النوع والجو الذي يلائمه والبيئة التي يعيش فيها في البر والبحر والجو وعلمه كيف يذود عن نفسه وزوده بالسلاح الذي يستخدمه حفاظًا على حياته وبقائه والغذاء الذي يقوته ويقوم بأوده إلى جانب ما فيه من منافع تُثري الحياة وتُضفي عليها ما يخلب الأنظار ويبعث على حبها والتعلق بها ، وشاء سبحانه أن يسوس هذه العوالم كلها بقانون لم يترك شيئًا من أمر للحياة إلا عالجه على عين من خالقه العليم بخلقه وأعلن أنها جميعًا مسخرة لهذا الإنسان الذي هو أضعفها ، قال - تعالى: ?وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِيْ السَّماوَاتِ وَمَا فِيْ الأَرْضِ جَمِيْعًا مِّنْهُ إِنَّ فِيْ ذالِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَّتَفَكّرُوْنَ? سورة الجاثية - آية: 13 .

كما قال سبحانه، مذكرًا ببعض نعمه التي تفضل بها على عباده . ?إنَّ فِيْ خَلْقِ السَّماوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِيْ تَجْرِيْ فِيْ الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَآءِ مِنْ مَّآءٍ فَأَحْيَا بِه الأَرْضَ بَعْدَ مَوتِهَا وَبَثَّ فِيْهَا مِنْ كُلِّ دَآبَّةٍ وَّ تَصْرِيْفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَآءِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَّعْقِلُوْنَ? سورة البقرة - آية:164.

وصدق الله العظيم المتفضل المنعم إذ يقول: ?وَإِنْ تَعُدُّوْا نِعْمَةَ اللهِ لاَ تُحْصُوْهَا إِنَّ الله لَغَفُوْرٌ رَّحِيْمٌ? سورة النمل - آية: 18.

الرحمة العامة

وقوله صلى الله عليه وسلم:"وأمسك عنده تسعة وتسعين"قال القرطبي مقتضى هذا الحديث أن أنواع النعم التي ينعم بها على خلقه مائة نوع واحد انتظمت به مصالحهم وحصلت به مرافقهم فإذا كان يوم القيامة كمل لعباده المؤمنين ما بقي فبلغت مائة وكلها للمؤمنين ، قال تعالى: ?وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِيْنَ رَحِيْمًا) .

فان رحيمًا من أبنية المبالغة التي لا شيء فوقها. ويُفْهَم من هذا أن الكفار لايبقى لهم حظ منالرحمة ، لامن جنس رحمات الدنيا ولا من غيرها إذا كمل ما كان في علم الله من الرحمات للمؤمنين وإليه الإشارة بقوله - تعالى: ?وَرَحْمَتِيْ وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأكْتُبَهَا لِلَّذِيْنَ يَتَّقُوْنَ وَيُؤْتُوْنَ الزَّكَاةَ وَالَّذِيْنَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُوْنَ? . سورة الأعراف - آية: 156.

وقال ابن أبي جمرة ثبت أن نار الآخرة تفضل نار الدنيا بتسع وتسعين جزءًا فإذا قوبل كل جزء برحمة زادت الرحمات ثلاثين جزءًا ويؤخذ منه أن الرحمة في الآخرة أكثر من النقمة فيها ويؤيده قوله في الحديث القدسي: ?غَلَبَتْ رَحْمَتِيْ غَضَبِيْ? .

أما مناسبة خصوص العدد فيحتمل أن تكون مناسبة في هذا العدد الخاص لكونه مثل عدد درج الجنة والجنة هي كل الرحمة فكان كل رحمة بإزاء درجة . وقد ثبت أنه لا يدخل أحد الجنة إلا برحمة الله تعالى فمن ناله منها رحمة واحدة كان أدنى أهل الجنة منزلة وأعلاهم منزلة من حصلت له جميع الأنواع من الرحمة ، هذا والرحمة المراد بها متعلق الإرادة لا نفس الإرادة وأنها راجعة إلى المنافع والنعم.

وقوله:"فمن ذلك الجزء يتراحم الخلق حتى ترفع الفرس حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه".

وفي رواية عطاء:"فيها يتعاطفون وبها يتراحمون وبها تعطف الوحش على ولدها".

وفي رواية سلمان:"فيها تعطف الوالدة على ولدها والوحشُ والطير بعضُها على بعض".

قال ابن أبي جمرة خص الفرس بالذكر لأنها أشد الحيوان المألوف الذي يعاين المخاطبون حركته مع ولده ولما في الفرس من الخفة والسرعة في التنقل، ومع ذلك يتجنب أن يصل الضرر منها إلى ولدها .

ينابيع الرحمة

وإنه لمما يُنْمِي خُلُق الرحمة في قلوب المؤمنين ما يتعبدون به الله سبحانه ، من الصلاة التي تنهى عن الفحشاء والمنكر ، والتي بها ينخرط المرء في سلك الجماعة عضوًا نافعًا يشاركهم آلامهم وآمالهم، ويتعاون معهم في كل ما فيه خيرهم في دنياهم وآخرتهم .

أما الزكاة فإنها وقاية من الشح ، ورياضة على بسط الكف ، وتزكية للنفوس ، وطهرة لها من الأنانية والأثرة ، وغوث للفقراء والمساكين ، وسد لحاجة المحتاجين ، فضلًا عن أثر ذلك من إشاعة روح المودة والقضاء على ما قد يكون في بعض النفوس من الأحقاد التي يطفىء لهيبَها عطاءُ المحسنين .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت