فهرس الكتاب

الصفحة 4070 من 27345

لقد نشأت تركيبة اجتماعية وعرقية خاصة في الأندلس كانت سببًا في نشوء الفتن والاضطرابات التي كانت تؤججها سوء الادارة احيانا. فكان هناك العرب والبربر والاسبان، والعرب انقسموا بدورهم إلى قيسية ويمانية مع ما رافقها من فتن كبيرة وكان هناك البربر والتنافس التقليدين بينهم وبين العرب وكان الاسبان بقسميهم المسلم والمسيحي اضافة إلى المهجنين.

كانت هذه التركيبة العرقية والاجتماعية نواة فيما بعد لممالك الطوائف المتناصرة والتي انتهت بفنائها جميعًا كما سنرى خلال البحث.

الحكم الأموي المباشر في الأندلس

دخلت الأندلس المرحلة الثانية من تاريخها السياسي عندما فوّضت اركان الخلافة على بني امية في دمشق حيث هزم اخر خلفائهم مروان بن محمد أمام جيوش العباسيين في معركة الزاب سنة132 هـ.

وولى هائمًا على وجهه وكأن الارض لا تسع لهربه بما وسعت ليلقى حتفه على يد العباسيين ولتبدأ مرحلة دموية كان الامويون وقودها حيث أذاق بنو العباس الامويين حر الحديد وبأس السيف وجرعوهم مرارة الذل والهوان وشردوهم وراء كل حجر ومدر.. نجا من تلك المذابح شاب اموي اسمه عبدالرحمن استطاع عبور الفرات وهرب إلى شمال افريقيا، وبمساعدة اخواله البربر استطاع العبور إلى الأندلس. استطاع عبدالرحمن الملقب (الداخل) من تأليف القبائل اليمانية التي كانت ناقمة على هيمنة القبائل القيسية وبمساعدة البربر استطاع ان يخضع الأندلس لسيطرته وان يبايعوه أهل الأندلس اميرًا عليها سنة 138 هـ (755م) . حاول الخليفة ابو جعفر المنصور عبثًا اخضاع عبدالرحمن الداخل حيث استطاع عبدالرحمن هذا (الذي لقبه المنصور بلقب صقر قريش، ان يهزم جيش المنصور وأن يبرد برؤوس قادة الجيش إلى المنصور لتصله إلى مكة اثناء موسم الحج) .

اتخذ عبدالرحمن قرطبة عاصمة له وبدأ ببناء وتوسعة مسجدها الشهير فدخلت قرطبة مرحلة مزدهرة اصبحت معها فيما بعد محط الانظار ومهد الحضارة.

استمرت السلالة الاموية في حكم الأندلس حيث بلغت اوج حكمها في زمن عبدالرحمن الثالث الذي دام حكمه لأكثر من خمسين عامًا وامتد سلطانه إلى شمال افريقيا وليقهر الاسبان وليجعل من إسبانيا قبلة الامصار وعروس اوروبا. إليها تشدّ الرحال لطلب العلم والادب والفنون وحتى صارت اللغة العربية هي لغة العلم حتى في اوروبا.

بدأ حكم عبدالرحمن الثالث في سنة 300 هـ وانتهى عام 350 هـ واستطاع ان يخلع على نفسه لقب أمير المؤمنين وسمى نفسه الناصر لدين الله وبهذا اصبحت دار الاسلام يحكمها ثلاثة خلفاء (الاموي والعباسي والفاطمي)

في آن واحد.

وقد توسعت قرطبة في عصره ليبلغ عدد سكانها النصف مليون تقريبًا، وقد بدأ الناصر ببناء مدينة الزهراء التي استمر بناؤها 17 عاما ليجعلها مدينته المفضلة وهي تبعد عن قرطبة عدة اميال ولكن لم يمهل الزمن مدينة الزهراء هذه طويلا اذ قد دمرت بعد خمسين سنة تقريبًا في فتنة البربر الشهيرة.

توفي الخليفة الناصر سنة 350 هـ فخلفه ولده الحكم الثاني الذي حكم لغاية سنة 366 هـ والذي اشتهر بحبه للعدل والعلم والحكمة. وقد بلغت جامعة قرطبة في عصره منزلة علمية عالية جعلتها في مصاف جامعة الازهر في القاهرة والمدرسة النظامية في بغداد.

لما حضرت الحكم الوفاة نظر وهو على فراش الموت إلى ولده الصغيرة نظرة اسى وحزن وكأنه علم بما سيكتنف ارض الأندلس من فتن مضطربة بعده، كان ولده لا يجاوز احد عشر عامًا فأوصى له بالخلافة ولقبه (هشام الثاني) وجعل عليه وصيًا وزيره الحاجب محمد بن أبي عامر الملقب بالمنصور والذي لم يكن عند حسن ظن سيده، اذ سرعان ما استحوذ على كل مراكز القوى وتخلص من منافسيه الواحد تلو الاخر بالقتل والاغتيال وقلص من نفوذ هشام الثاني الذي جعله لا يغادر القصر وصيّره خليفة بغير سلطان.

جمع المنصور هذا قدرة ادارية كبيرة وكفائة عسكرية عالية يخالطها الكثير من الحنكة السياسية وميل إلى البطش والتنكيل.. خاض المنصور مع النصارى الاسبان عدة معارك اثبت فيها نفسه شبحًا مرعبًا للاسبان تتحدث به كتبهم لحد الآن وفي احدى المعارك استولى على كنيسة سنتياغو وجعل الاسرى الاسبان يحملون الاجراس على ظهورهم لمسافة 400 ميلًا إلى قرطبة..

وبموت الحاجب المنصور سنة 1002م بدأ الهبوط السريع لحكم الاسلام في الأندلس فلم يمض إلاّ وقت قصير حتى اندلعت فتنة البربر الذين دمروا مدينة الزهراء رائعة المدن في الأندلس وتعاقب على الخلافة الاموية خلفاء ضعفاء لم يتركوا اثرا يذكر إلاّ شيئًا ادبيا خالدًا ألا وهو غرام الشاعر ابن زيدون (بالولادة) بنت الخليفة المستكفي التي عافت حياة الحريم وكانت على درجة كبيرة من الادب والعلم فأغرم بها الشاعر ابن زيدون الذي انتهى امره معها بالفراق فخلدها بقصيدته الرائعة:

أضحى التنائي بديلًا من تدانينا *** وناب عن طيب لقيانا تجافينا

بنتم وبنا فما ابتلت جَوانحُنا *** شوقًا إليكم ولا جفت ماقينا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت