فهرس الكتاب

الصفحة 4071 من 27345

بالأمس كنا وما يخشى تفرقُنا *** والآن نحن وما يرجى تلاقينا

يا جنّة الخلد بدلنا بَسلسلِها *** و الكوثر العذب زقومًا وغسلينا

ملوك الطوائف

بعد الغاء الخلافة الاموية في قرطبة انفرط عقد دولة الأندلس الاسلامية وعادت الصراعات والاطماع القديمة إلى الظهور وانقسمت الدولة إلى عدد كبير من الممالك الصغيرة التي قد لا يتجاوز الواحدة منها مساحة المدينة الواحدة وما حواليها، وانحسرت عظمة قرطبة وصارت تابعة فيما بعد لسلطان اشبيلية التي ملكها بنو عاد.. كانت دويلات الطوائف هذه متحاربة فيما بينها لا يجمعها جامع من دين أو عصبية أو مصلحة مشتركة فكان من المستحيل على مثل هذه الدويلات الاتحاد ضد خطر الاسبان الزاحف من الشمال ولكن على الرغم من التفكك الاداري والعسكري الذي اصاب الأندلس فان هذه الفترة كانت من اخصب فترات الحضارة الاسلامية في تلك الربوع فقد ازدهر الادب والفن وترعرت الفلسفة ونشطت حركة الترجمة فلابد ان نذكر ان ابن رشد وابن طفيل وعبدالله بن ميمون والمعتمد بن عباد كانوا ابناء عصر الطوائف.. كان الكثير من ملوكها على قدر كبير من الادب والعلم كالشاعر بن عباد صاب اشبيلية والمظفر بن افطاس الذي الف كتابًا في التاريخ بخمسين جزءًا سماه كتاب المظفرى!

على ان ازدهار ممالك الطوائف لم يمنع سقوطها تجاه زحف الاسبان فكانت تلك الممالك كزهور الربيع الطرية التي هبت عليها الحصباء فصارت كالهشيم.

لقد تناسى اولئك الحكام المتصارعون التحذير القرآني (...ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم...) (الأنفال:46) وغاب عنهم ان من نام لم ينم عنه فكان املهم الوحيد تجاه قوة الاسبان في الشمال (مملكة قشتالة) هو الاستعانة باخوانهم في الشمال الافريقي.

كانت قد نشأت في المغرب العربي دولة قوية ناشئة من البربر الذين اسلموا حديثًا وسموا انفسهم بالمرابطين وكان ملكهم يوسف بن تاشفين الذي عبر المضيق المائي الفاصل لنجدة اخوانّه في الأندلس والحق بالاسبان هزيمة منكرة في معركة زلاقة الشهيرة حيث لم يعد من جيش الاسبان البالغ 60 الفًا سوى بضع مئات لاذوا بالفرار مع ملكهم الفرنسو السادس. وتنفست ممالك الطوائف الصعداء ولو لفترة قصيرة.. كانت اشبيلية يحكمها المعتمد بن عباد الشاعر المشهور والذي دبّ الخلاف بينه وبين يوسف بن تاشفين فنفاه يوسف هذا إلى المغرب في مدينة اغمات التي مات فيها فقيرًا مأسورًا.وقد رثى نفسه بقصيدة مؤثرة مطلعها..

فيما مضى كنتَ بالأيام مسرورا *** فجاءك العيد في أغمات مأسورا

ترى بناتك في الاطمارِ عاريةً *** يطأن في الدين ما يملكن قطميرا

رجع يوسف بن تاشفين إلى الشمال الافريقي وتوفي هناك فدب النزاع بين سلالته وسلالة اخرى انشأت لها دولة سميت بدولة الموحدين والذين كانت لهم الغلبة اخيرًا واشتهر من ملوكهم السلطان يعقوب ابو يوسف الذي عبر إلى الأندلس بعد ان سمع بالتهديد الاسباني الجديد لنصارى قشتالة فاشتبك مع الاسبان في معركة دامية (معركة الاركوس) حيث خسر الاسبان معظم جيشهم وقد حاصر ابو يعقوب مدينة طليطلة حصارًا طويلًا فخرجت ملكة الاسبان وبناتها إلى السلطان ترجو منه فك الحصار وقد تحرك قلب ابي يعقوب لهذه الجرأة وملئت قلبه الاريحية فأرجعها معززة مكرمة ومحملة بالهدايا والنفائس.. وكان السلطان يعقوب هذا هو الذي بنى المأذنة وبرج المراقبة المسمى الجيرالدا (Giraldo) والذي مازال يطل شامخًا في سماء اشبيلية. كان هذا السلطان يحترم العلماء والمفكرين وقد ضم بلاطه ابن رشد وابن طفيل وغيرهم من الاطباء ابن زهر وابن باجة.

عزم السلطان يعقوب على الرحيل إلى الشمال الافريقي حيث قرر مغادرة الأندلس تاركا طوائفها لقسوة القدر وفتك الاسبان الذين سرعان ما اعادوا تنظيم جيوشهم وزادوا من عدتهم وعديدهم بينما زاد التناحر والتحارب ممالك الطوائف ضعفًا على ضعف.. ولم يكن هناك عبر الساحل الافريقي ابو يوسف يعقوب ليهب لنجدتهم فأصبحوا امام مصيرهم المحتوم. الذين هم سارعوا في تقريب ساعته اذ لا يعدم ان يرى المستطلع لتاريخ هذه الفترة استعانة المسلمين بالاسبان على اخوانهم المسلمين وبالتالي صار الاسبان يضربون بعض هذه الممالك ببعضها حتى إذا ابادوا احدها التفتوا إلى الاخرى فتساقطت هذه الدويلات تباعًا فسقطت قرطبة وبلقيسة ومرسية وحوصرت اشبيلية لمدة 15 شهرًا من قبل الاسبان وكان ممن اشترك في الحصار ابن الاحمر مؤسس دولة بني الاحمر في غرناطة وسيأتي ذلك اليوم الذي يلتهم الاسبان مملكته ولو بعد حين (ولا يحيق المكر السيء إلاّ بأهله) (فاطر:43) واخيرًا فتحت اشبيلية ابوابها للاسبان فبدأت المجازر التي يعجز القلم عن وصفها ولم يستثنوا حتى الاطفال الرضع أو النساء أو الشيوخ.. وقد رثى الشعراء سقوط اشبيلية رثاء مبكيًا كما في هذه الابيات للشاعر موسى بن هارون:

فكم اسارى غدت في القيد موثقةً *** تشكو من الذل اقدامًا لها حُطما

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت