فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
إن الله سبحانه جعل البلاء موصلًا إلى رحمتهأَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ [214] } [سورة البقرة] .
اصبر قليلًا فبعد العسر تيسير وكل وقت له أمر وتدبير
وللمهيمن في حالتنا قدر وفوق تدبيرنا لله تدبير
نرى الأمور ونكرهها، نراها على غير ما نهوى، ويخرج الله من رحم الظلام فجرًا تشرق به الوجوه، وتسر به النفوس، ويحقق الله به الوعد الذي وعده هذه الأمة، فكلما اشتدت الكربة رقبنا الفجر، جاء رجل إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال له: يا أمير المؤمنين أجدبت الأرض، وقحط المطر، وقنط الناس. قال: إذًا مطرتم . فجعل عمر بن الخطاب اشتداد الحال علامة على قرب المطر، قال رحمه الله بعد قوله له: مطرتم، تلا قول الله:وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ [48] } [سورة الشورى] . والله يبتلي العباد بما يبتليهم به ليميز الخبيث من الطيب، ثم بعد ذلك يأتي فرج الله:
ولرب نازلة يضيق بها الفتى ذرعًا وعند الله منها المخرج
ضاقت فلما استحكمت حلقاتها فرجت وكنت أظنها لا تفرج
إنه مهما كان من انهزام وانكسار، فلن يخلف الله وعده.
الوقفة الرابعة: أن وعد الله لا يزيد المؤمنين عند اشتداد الكرب إلا ثباتًا، لما اشتد الأمر على صحابة رسول الله فجاءهم عدوهم من فوقهم، ومن أسفل منهم، وبلغت القلوب الحناجر، وظنوا بالله الظنون، قال المنافقون: ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورًا، ما وعدنا إلا أمرًا لا تحصيل له، كذبًا لا سبيل إلى إدراكه، وأما المؤمنون الثابتون المصدقون لوعد الله فمهما اسودت الدنيا في وجوههم؛ لا يتزلزل الإيمان في قلوبهم، بل هم مصدقون لوعد الله ورسوله وَلَمَّا رَأى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا [22] } [سورة الأحزاب] .
وعد الله لا يخلف {فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ [47] } [سورة إبراهيم] . كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ [21] } [سورة المجادلة] . إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ [51] } [سورة غافر] . وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ [105] } [سورة الأنبياء] . وقال تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا}فقال جلّ وعلا مبشرًا أهل الإيمان بعد هذا التهديد:فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ [13] وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ [14] } [سورة إبراهيم] .
إن اليأس يدب في بعض النفوس، فالناظر في أحوال الأمة الإسلامية يجد أن المآسي والنكبات قد اتسع نطاقها، وبدأت تتناثر هنا وهناك، فلا تكاد تخف وطأة الكفر على بلد من البلدان حتى تفجع الأمة بنكبة، أو نكبات جديدة يرقق بعضها بعضًا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في نبأ الفتن: [...وَتَجِيءُ فِتْنَةٌ فَيُرَقِّقُ بَعْضُهَا بَعْضًا وَتَجِيءُ الْفِتْنَةُ فَيَقُولُ الْمُؤْمِنُ هَذِهِ مُهْلِكَتِي...] رواه مسلم.
إن آلام الأمة لو تتبعناها لطال بنا الكلام، ولسنا في شأن تعداد الآلام، إنما في شأن التعامل مع هذه الآلام، كيف يتعامل المؤمن مع هذه الآلام؟ إن الواجب على المؤمن أن يتعامل مع هذه الآلام بإيمان جازم، ويقين راسخ، وعقد صالح، وعمل يرفع به درجته، ويثبت به قدمه، إن النبي صلى الله عليه وسلم قد قال: [بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنْ الدُّنْيَا] رواه مسلم .
فالواجب على المؤمن أن يستقبل هذه النوازل بصبر، وإيمان راسخ، وأن يرجع إلى هدي النبي صلى الله عليه وسلم، فإن في هديه ما ليس في غيره من الكتب والآثار وغير ذلك؛ لأنه صلى الله عليه وسلم جعله الله أسوة لأهل الإيمان:لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا [21] } [سورة الأحزاب] .