لما وقعت الحرب بين مصر والحبشة، وتوالت الهزائم على مصر بسبب وقوع الاختلاف بين قواد جيشها . ضاق صدر الخديوي إسماعيل لذلك فجمع عددًا من علماء الأزهر ليجتمعوا أمام القبلة القديمة في الجامع الأزهر للابتهال والدعاء بطلب النصر. ولكن مع ذلك ظلت أخبار هزائم الجيش المصري تتوالى. فذهب الخديوي إلى هؤلاء العلماء، وأعلمهم باستغرابه لعدم استجابة دعائهم وقال: إنكم لستم العلماء الذين تعهدهم من رجال السلف الصالح، فإن الله لم يدفع بكم ولابدعائكم شيئًا!
فوجم العلماء لكلام الخديوي إلا شيخًا واحدًا قائلًا:
(هذا منك يا إسماعيل! فقد روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، أو ليسلطن الله عليكم شراركم فيدعو خياركم فلا يُسْتَجَابُ لهم") .
فسأل الخديوي الشيخ الأزهري الذي جابهه بكلمة الحق وصيحة الصدق:
-وماذا صنعنا حتى ينزل بنا هذا البلاء ؟
فأجابه:
-أليست المحاكم المختلطة قد فتحت بقانون يبيح الربا؟ أليس الزنا برخصة؟ أليس الخمر مباحًا؟
وعدّد الشيخ للخديوي المنكرات التي تشيع في مصر بلا إنكار. ثم قال:
فكيف تنتظر النصر من السماء؟!
وأطرق الخديوي مليًا ثم قال له:
-صدقت صدقت (22) .
تاسعًا: الولاء القلبي (23) .
حسم الإعلام الإسلامي قضية من أهم القضايا التي تشغل بال الإعلاميين، وتؤثر على مايتعرضون له من قضايا وموضوعات، وهي قضية الولاء أو الانتماء. فقد أثبتت الأبحاث والتجارب العلمية أن الإنسان أيًا كانت ثقافته وجنسيته في حاجة إلى الشعور بالانتماء إلى شيء، والعمل من أجله.
والولاء في جوهره نوع من الرقابة الذاتية للفرد على سلوكه وتصرفاته وأقواله، بحيث تعكس الخضوع والانقياد للجهة التي يشعر الفرد بالانتماء إليها بصورة لايمكن أن تحققها حتى أقسى القوانين وأصرمها، لأنه يختص بمنطقة القلب، حيث الحب والكره، ولايستطيع سوى صاحبه أن يمنحه عن طيب خاطر وطواعية . أما القهر فلا يؤدي إلا إلى تظاهر فقط من الشخص بالحب والولاء.
والإعلام الإسلامي - وقد استهدف إعداد الدعاة المخلصين للدعوة - كان لابد له أن يتعرض لقضية الولاء . فالولاءَ فيها محسوم من البداية لله سبحانه وتعالى. فهو أغنى الأغنياء عن الشرك . قال تعالى: ?أَلاَ للهِ الدِّيْنُ الخَالِصُ? (24) ?إِيَّاكَ نَعْبدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِيْنُ? (25) . فالله تعالى يريد عبادًا يشعرون نحوه بالحب ويتنازلون باختيارهم عن كل مايغضب الله. ولذلك ?لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّيْنِ? (26) . وإذا كان الله تعالى يريد أن يخضع أعناقًا بالقهر فما أسهل أن يفعله . قال تعالى: ?إِنْ نَّشَأُ تُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِيْنَ? (27) . إنما يريد سبحانه عبادًا يدينون بالحب ويشعرون بالولاء، ويتقلبون في كل روحاتهم وسكناتهم في رضوان الله، كما قال تعالى: ?قُلْ إِنَّ صَلاَتِيْ وَنُسُكِيْ وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِيْ للهِ رَبِّ العَالَمِيْنَ? (28) .
ويعني الولاء لله الولاء لكتابه الكريم، ولرسوله صلى الله عليه وسلم فيما صح عنه من قول أو عمل. وبذلك يكون ولاء القيم والمبادئ الخالدة وليس ولاء مرتبطًا بأشخاص أو هيئات أو جهات قال تعالى ?وَأَطِيْعُوْا اللهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُوْنَ? (29) .
ومن خلال الولاء لله يتحقق هدف الإعلام الإسلامي في إيجاد رجال إعلام يقولون الحق، ولايخشون في الله لومة لائم. وفي كل موقف أو قضية يبرزون جوانب الخير والحق والصدق والأمانة، ولايرضون الغش والتدليس .
وهدف الإعلام الإسلامي من إقرار مبدأ الولاء القلبي لله هو تحويل الكثرة المؤمنة إلى كل واحدٍ متماسك .
الهوامش:
(15) سورة الحج ، الآية 11.
(16) انظر صفات مقدمي البرامج الإسلامية للمؤلف ، ص 20-22 (باختصار) .
(17) مثل عليا من قضاء الإسلام . محمود الباجي. تونس: المكتبة الشرقية ، 1376هـ ، ص 45.
(18) القضاء في الإسلام . عطية مشرقة . ط 2. د. م: شركة الشرق الأوسط ، 1966م ، ص 101.
(19) تأريخ الأمم والملوك . جعفر بن جرير الطبري . د. م: دار القاموس الحديث ؛ بيروت: مكتبة البيان (نسخة مصورة) ، ج 5 ص 18 .
(20) العدل الاجتماعي. عماد الدين خليل. - بيروت: مؤسسة الرسالة، د.ت، ص 100.
(21) هو من حديث أبي سعيد الخدري، من خطبة خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم رواها أحمد في المسند بطولها 3:19، في السنن،"كتاب الفتن"، باب ما جاء ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم بما هو كائن إلى يوم القيامة" ، ورواه ، مختصرًا كما أثبته أحمد في المسند 3:5، 71، وابن ماجه في السنن،"كتاب الفتن"، باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. انظر تخريج الحديث في كتاب "المتنبي"لمحود شاكر."
(22) انظر مسؤولية العلماء في الإسلام. أحمد محمد جمال. - مكة المكرمة: دارالثقافة ، (1386هـ، ص 20-22، 27-28.