وإن لنا العبرة في حياة نوح عليه السلام مع قومه، فقد لبث معهم ألف سنة إلا خمسين عامًا، وهو لايكل من الدعوة ولايمل من التبليغ. ولم يؤثر هذا الوقت الطويل وهذا الإعراض المستمر على إيمانه أو دعوته من يأس أو قنوط؛ بل بقي كذلك، مطيعًا لربه، مبلغًا لعقيدته، حتى أتاهم أمر الله . وهكذا ينبغي أن يكون الإيمان في قلب الداعية، ثابتًا وعميقًا، بحرارة وحماس، يأخذ عليه كل حسه وكيانه، فلا يشعر إلا أنه وجد لأداء وظيفة في هذه الحياة، يطبِّقها في سائر وظائفه. (16)
ثامنًا: أمثلة توضيحية عن الخشية من الله وقول الحق
1-نماذج تطبيقية عن الشعور بالمسؤولية:
ونقتصر في هذه الفقرة على بعض ماورد في سيرة الفاروق عمر رضي الله عنه:
كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب شديدًا على ولاة الأقاليم، يبتدع الوسائل التي تضمن له استمرار الاطلاع على مايجرونه في مناطقهم من الأعمال، ويبالغ في الاتصال بالرعايا ومعرفة مايشكونه من الظلم والحيف. وقد سن دستورًا لتصرفات الولاة اشتمل على المبادئ الأساسية الآتية:
(أ) أنه كان يُحصي مكاسب الوالي عقارًا ومنقولًا ومالًا قبل الولاية ليحاسبه بها على مازاده بعد الولاية مما لايدخل في عداد الزيادة المعقولة. ومن تعلل بالتجارة لم يقبل منه دعواه لأنه كان يقول للولاة: إنما بعثناكم ولاة ولم نبعثكم تجارًا.
(ب) أنه كان يرصد لهم الرقباء والعيون من حولهم ليبلغوه ماظهر وماخفي من أمرهم. حتى كان الوالي من كبار الولاة وصغارهم يخشى من أقرب الناس إليه أن يرفع نبأه إلى الخليفة .
(ج) أنه بعث وكلاء مختصين يجمعون شكايات الشاكين والمتظلمين ويتولى التحقيق والمراجعة فيها ليستوفي البحث فيما يرفعه إليه الوكلاء والرقباء .
(د) أمره للولاة والعمال أن يدخلوا إلى أوطانهم نهارًا إذا رجعوا إليها من مراكز حكمهم ليظهر معهم ماحملوه في عودتهم ويتصل خبره بالحراس والأرصاد الذين يقيمهم على ملاقي الطريق.
(هـ) استقدامه للولاة في كل موسم من مواسم الحج ليحاسبهم ويسمع مايقولون ومايُقالُ فيهم، وعليهم شهود ممن يشاء أن يحضر الموسم من أهل البلاد (17) . فكان العمال يخافون الافتضاح على رؤوس الأشهاد، فيتجنبون ظلم الرعية، ويسيرون بين الناس بالعدل والإنصاف. (18)
ذكر الإمام الطبري أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: لئن عشت إن شاء الله لأسيرن في الرعية حولًا، فإني أعلم أن للناس حوائج تقطع دوني. أما عمالهم فلا يرفعونها إلى، وأما هم فلا يصلون إلى؛ فأسير إلى الشام فأقيم بها شهرين، ثم أسير إلى الجزيرة فأقيم بها شهرين، ثم أسير إلى مصر فأقيم بها شهرين، ثم أسير إلى البحرين فأقيم بها شهرين، ثم أسير إلى الكوفة فأقيم بها شهرين، ثم أسير إلى البصرة فأقيم بها شهرين، والله لنعم الحول هذا! (19)
لما جاء عام الجوع وأصاب المنطقة قحط شديد، أقسم عمر ألا يذوق السمن ويأكل طيبًا حتى يفتح الله على المسلمين. وبقى عامه على هذا الحرمان والمسلمون يرون حاله فيشفقون عليه من الجهد الذي يبذله، حتى بسر وجهه من أكل الزيت مع قلة الطعام الذي يتناوله ورداءته، حتى لقد ذكر أحد الصحابة بالحرف:"كنا نقول: لو لم يدفع الله عام الرمادة لظننا أن عمر سيموت همًا بأمر المسلمين". ويرجوه أصحابه أن يرأف بنفسه ويشفقون عليه من الجهد الذي يبذله، ويبيحون له - عن طيب خاطر منهم - أن يأخذ من بيت المال مايصلح به شأنه؛ ولكنه يرفض ذلك ويصرّ على رفضه الحاسم قائلًا: وكيف يعنيني أمر الرعية إذا لم يمسنى مايمسهم؟ إنه هنا يقدم لنا شعارًا اجتماعيًا، هو جوهر العدل الاجتماعي وروحه الأصيلة. شعارًا لاتفسره الكلمات، إنما موقف عمر نفسه وهو يعاني مع أمته من أجل أن يعمق اهتمامه بمآسيها ومتاعبها وأحزانها (20) .
2-نماذج تطبيقية من الجهر بالحق:
يقول عليه الصلاة والسلام:"ألا لايمنعنّ رجلًا هيبةُ الناس أن يقول بحق إذا علمه" (21) .
سُئِلَ ابن المبارك: مَنِ الناسُ؟ فقال: العلماء. قِيْلَ له: فمن السفلة؟ قال: الذي يأكل بدينه.
حبس معاوية عن الناس أعطياتهم ذات مرة، وجاء يخطب على المنبر، فقام إليه أبومسلم الخولاني معاتبًا ومحاسبًا على حبس العطاء عن الناس، وقال له يامعاوية، إنه ليس من كدِّك ولا كدِّ أبيك ولاكدِّ أمك.
فغضب معاوية وغادر المنبر قائلًا للناس: مكانكم. وغاب عنهم ساعة ثم رجع إليهم فقال: إن أبا مسلم كلمني بكلام أغضبني وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"الغضب من الشيطان، والشيطان خُلِقَ من نار، وإنما تُطْفَأُ النار بالماء، فإذا غضب أحدكم فليغتسل"وإني ذهبت فاغتسلت. وصدق أبو مسلم. إنه ليس من كدِّي ولا كدِّ أبي. فهلموا إلى أعطياتكم!
لقد عرف أبومسلم مسؤولية العالم، فأدى واجبه في النصيحة للإمام .
وعرف معاوية مسؤولية الحاكم، فاستجاب لمن حاسبه في الحق، ولم تأخذه العزة بالإثم.