لقد كان مفهومًا منذ القدم أن الأم لا دخل لها في خلق أبنائها؛ ولكن"ماء"الرجل ما أن يصل إلى رحم المرأة حتى ينمو ليكون جنينًا ثم وليدًا، مثله في ذلك مثل"البذرة"حيث تصادف التربة الطيبة فإنها تنمو وتزدهر، ولم تكتشف طبيعة الحيوان المنوي كذات مستقلة في السائل المنوي"ماء الرجل" (ماء الخليقة) إلا في القرن السابع عشر، في عهد"ليفنهوك"Leeuwen hoak وبالتحديد عام 1677م اعتبر الحيوان المنوي حينئذ كائنًا حيًا له ذاته وصفاته المستقلة، التي بها يمكنه أن ينمو فيكون الجنين في رحم الأنثى، وبعد الولادة يصبح فردًا إنسانًا وقد تصور العلماء آنذاك أن الحيوان المنوي ماهو إلا إنسان صغير الحجم جدًا يجلس القرفصاء .
وكان"ليفنهوك"قد توصل إلى صنع عدسة دقيقة سمكها أقل من 1/10 بوصة متقنة الصقل بحيث كانت تريه الأشياء في ضخامة واضحة، أخذ في توجيه عدساته إلى كل شيء يستطيع الحصول عليه، ففحص رأس ذبابة وألصق مخها بالإبرة الدقيقة، وكم أثارت إعجابه التفاصيل الواضحة عندما كان يفحص البذور الصغيرة والبراغيث والقمل لكي يرى التفاصيل التي تعجز العينُ عن رؤيتها، وفحص بعدسته قطرة صغيرة من ماء المطر فرأى كائنات دقيقة تسبح في هذا الماء .. وكانت الكائنات الدقيقة الجديدة عجيبة وصغيرة وأعدادها كبيرة ومتعددة الطرز، تتحرك وتتمايل وتنقلب ذات الشمال وذات اليمين، فكتب إلى عظماء العلماء في لندن ووصف لهم ما اعتراه من دهشة، وأخبرهم عن رؤية مئات من الكائنات الدقيقة.. فهزت كتاباته العلماء وسرت بينهم الدهشة ولاسيما رؤيته لأول مرة أوعية الدم الشعرية التي ينتقل الدم خلالها من الشرايين للأوردة في ذيل السمكة، واكتشف الحيوانات المنوية للإنسان وأماط اللثام عن تلك الكائنات الحية غير المرئية والتي يعيش بعضها على التهام البعض الآخر، وكان يقول حياة تعيش على حياة، ولذا يعتبر"ليفنهوك"في تاريخ العلم أول من اكتشف"الميكروبات"وترك لمن بعده من العلماء أمثال باستير"Pasteur"بداية تصنيف تلك"الميكروبات".
وقد استعان"باستير"بعدسات"ليفنهوك"لكشف"الميكروبات"التي تعيش على اللبن وعلى الخمر، وتوصل إلى أنه إذا سخن اللبن أو الخمر - ولو تسخينًا هينًا - قبيل درجة الغليان، فإن هذا التسخين يقتل"الميكروبات"الدخيلة .. وهذه الحيلة اليسيرة هي المعروفة باسم البسترة في صناعة الألبان.. وعلى مقتضاها تعالج منذ ذلك اليوم فتتعقم وتنجو من التلف والتخثر، ومن أعظم ما خطر على فكر"باستير"أن"المكيروب"على ضآلته قد يدخل جسم الرجل أو جسم الثور أو الفيل وينهى حياته، ولم يكن يجد في هذا الخاطر استحالة أو غرابة .
والآن نعاود الكتابة عما جاء بأم الكتاب، حين نزل القرآن الكريم على الرسول الأمين صلى الله عليه وسلم منذ قرابة أربعة عشر قرنًا من الزمان، لم يكن أمر الحيوان المنوي. ووظيفته وطبيعته - معروفًا كما أن موقفه من تخليق الإنسان وغيره من الحيوانات لم يكن مفهومًا .
وفي كتب الشريعة والتفسير حتى نهاية القرن السابع عشر الميلادي، يعبر عن السائل المنوي بعبارة"ماء الرجل"، والقرآن الكريم يعبر عنه أيضًا"بالماء المهين"، وأحيانًا"بالماء"فقط، يقول سبحانه:"ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَه مِنْ سُلاَلَةٍ مِّنْ مَّآءٍ مَّهِيْنٍ"السجدة: آية 8"أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَّآءٍ مَّهِيْنٍ"المرسلات: آية 20:"وَهُوَ الَّذِيْ خَلَقَ مِنَ الْمَآءِ بَشَرًا فَجَعَلَه نَسَبًا وَصِهْرًا وَكاَنَ رَبُّكَ قَدِيْرًا"الفرقان: آية 54 .
لكن علماء البيولوجيا المعاصرين، يعرفون عن يقين، أن الإنسان وأغلب الحيوانات تبدأ حياتها بخلية واحدة، ومن هذه الخلايا أو اللبنات الدقيقة الحية، تبني أجسام النبات والحيوان والإنسان والخلية الأولى لتكوين الإنسان، هي حصيلة اندماج حيوان منوي (نطفة) من الذكر مع بيضة من الأنثى، والخلية الناتجة تعرف علميًا بالبيضة المخصبة أو الزيجوت Zygote ولايمكن للحيوان المنوي (النطفة) وحده أن ينتج كائنًا حيًا دون مشاركة من البيضة، أي أن الرجل لايمكن أن يكون له ولد (أى ابن) دون مشاركة من أنثى، ومن هنا يرجع أمر خلق الإنسان بداية من النطفة للأسباب الآتية:
1-أن بيضة الأنثى لا يمكنها أن تنقسم وبالتالي لا يمكنها أن تكون جنينًا في رحم الأم إلا بعد أن يخصبها الحيوان المنوي، ومالم يأتها الحيوان المنوي فإنها تبقى بحيويتها على حالتها لفترة زمنية في انتظار إخصابها بحيوان منوي يصلها في الوقت المناسب، فإن أخفقت في أن يصل إليها الحيوان المنوي، فإنها لا تلبث أن تفقد حيويتها فتتلاشى وتمتص ويضيع أثرها .