والنوع الثالث: أن يأمر الشارع بشيء ليمتحن به العبد، هل يطيعه أم يعصيه، ولا يكون المراد فعل المأمور به، كما أمر إبراهيم بذبح ابنه: {فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ} [الصافات:103] حصل المقصود، ففداه بالذبح، وكذلك حديث أبرص وأقرع وأعمى، لما بعث الله إليهم من سألهم الصدقة، فلما أجاب الأعمى قال الملك: أمسك عليك مالك فإنما ابتليتم، فرضي عنك وسخط على صاحبيك، فالحكمة منشؤها من نفس الأمر لا من نفس المأمور به، وهذا النوع والذي قبله لم يفهمه المعتزلة، وزعمت أن الحسن والقبح لا يكون إلاّ لما هو متّصف بذلك، بدون أمر الشارع، والأشعريّة ادّعوا أن جميع الشريعة من قسم الامتحان، وأن الأفعال ليست لها صفة لا قبل الشرع ولا بالشرع، وأما الحكماء والجمهور فأثبتوا الأقسام الثلاثة وهو الصواب"."
ب- وجوب فعل الأصلح:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:"ذهب جمهور العلماء إلى أنه إنما أمر العباد بما فيه صلاحهم، ونهاهم عما فيه فسادهم، وأن فعل المأمور به مصلحة عامة لمن فعله، وأن إرسال الرسل مصلحة عامة، وإن كان فيه ضرر على بعض الناس لمعصيته، فـ (( إن الله كتب في كتاب فهو عنده موضوع فوق العرش: إن رحمتي سبقت غضبي ) )، فهم يقولون: فعل المأمور به وترك المنهيّ عنه مصلحة لكل فاعل وتارك، وأما نفس الأمر وإرسال الرسل فمصلحة عامة للعباد، وإن تضمّن شرًا لبعضهم، وهكذا سائر ما يقدّره الله تغلب فيه المصلحة والرحمة والمنفعة، وإن كان في ضمن ذلك ضرر لبعض الناس، فلله في ذلك حكمة أخرى. ويقولون: وإن كان في بعض ما يخلقه ما فيه ضرر لبعض الناس، أو هو سبب ضرر كالذنوب، فلا بدّ في كل ذلك من حكمة ومصلحة لأجلها خلقها الله، وقد غلبت رحمته غضبه".
ج- الاستطاعة:
وقول أهل السنة فيها التفصيل:
1-هناك استطاعة للعبد بمعنى الصحة والوسع، والتمكّن وسلامة الآلات، وهي التي تكون مناط الأمر والنهي، وهي المصلحة للفعل، فهذه لا يجب أن تقارن الفعل، بل قد تكون قبله متقدمة عليه، وهذه الاستطاعة المتقدمة صالحة للضدين، ومثال هذه الاستطاعة قوله تعالى: {وَللَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} [آل عمران:97] ، فهذه الاستطاعة قبل الفعل، ولو لم تكن إلاّ مع الفعل لما وجب الحج إلاّ على من حجّ، ولا عصى أحدٌ بترك الحج، ولا كان الحج واجبًا على أحد قبل الإحرام، بل قبل فراغه، ومن أمثلتها قوله تعالى: {فَاتَّقُواْ اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن:16] . فأمر بالتقوى بمقدار الاستطاعة، ولو أراد الاستطاعة المقارنة لما وجب على أحدٍ من التقوى إلاّ ما فعل فقط؛ إذ هو الذي قارنته تلك الاستطاعة.
وهذه الاستطاعة هي مناط الأمر والنهي، والثواب والعقاب، وعليها يتكلم الفقهاء، وهي الغالبة في عُرف الناس.
2-وهناك الاستطاعة التي يجب معها وجود الفعل، وهذه هي الاستطاعة المقارنة للفعل الموجبة له، ومن أمثلتها قوله تعالى: {مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ} [هود:20] ، وقوله: {وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لّلْكَافِرِينَ عَرْضًا v الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِى غِطَاء عَن ذِكْرِى وَكَانُواْ لاَ يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا} [الكهف:100-101] ، فالمراد بعدم الاستطاعة مشقة ذلك عليهم، وصعوبته على نفوسهم لا تستطيع إرادته، وإن كانوا قادرين على فعله لو أرادوه، وهذه حال من صدّه هواه أو رأيه الفاسد عن استماع كتب الله المنزلة واتباعها، وقد أخبر أنه لا يستطيع ذلك، وهذه الاستطاعة هي المقارنة الموجبة له.
وهذه الاستطاعة هي الاستطاعة الكونية، التي هي مناط القضاء والقدر، وبها يتحقق وجود الفعل.
د-الحكمة والتعليل:
يقول ابن القيم:"إنه سبحانه حكيم لا يفعل شيئًا عبثًا، ولا لغير معنىً ومصلحة، وحكمته هي الغاية المقصودة بالفعل، بل أفعاله سبحانه صادرةٌ عن حكمة بالغة لأجلها فعل، كما هي ناشئة عن أسباب بها فعل، وقد دلّ كلامه وكلام رسوله على هذا وهذا في مواضع لا تكاد تحصى".
فأهل السنة أثبتوا لله حكمة في كل ما خلق، والحكمة تتضمن شيئين:
أحدهما: حكمة تعود إليه سبحانه، يحبها ويرضاها، وهي التي أنكرها المعتزلة.
والثاني: حكمة تعود إلى عباده، وهي نعمة يفرحون بها، ويلتذون بها، وهذه تكون في المخلوقات والمأمورات.
هـ- تكليف ما لا يطاق:
تكليف ما لا يطاق على وجهين:
أحدهما: ما لا يقدر على فعله لاستحالته، وهو نوعان:
1-ما هو ممتنع عادة كالمشي على الوجه والطيران، وكالمقعد الذي لا يقدر على القيام، والأخرس الذي لا يقدر على الكلام.
2-ما هو ممتنع في نفسه كالجمع بين الضدين، وجعل المحدث قديمًا، والقديم محدثًا، ونحو ذلك، فهذا اتفق حملة الشريعة على أن مثل هذا ليس بواقع في الشريعة، وأنه لا يجوز تكليفه، وذلك لأن عدم الطاقة فيه ملحقة بالممتنع والمستحيل، وذلك يوجب خروجه عن المقدور فامتنع تكليف مثله.