والثاني: ما لا يقدر عليه، لا لاستحالته، ولا للعجز عنه، لكن لتركه والاشتغال بضده، مثل تكليف الكافر بالإيمان في حال كفره، فهذا جائز خلافًا للمعتزلة، لأنه من التكليف الذي اتفق المسلمون على وقوعه في الشريعة، لكن: هل يطلق على هذا بأنه تكليف ما لا يطاق؟
جمهور أهل العلم منعه وهو الراجح، وإن كان بعض المنتسبين إلى أهل السنة قد أطلقه في ردّهم على القدريّة.
و- معنى الظلم:
قال أهل السنة: إن الله تعالى حكَمٌ عدل يضع الأشياء مواضعها، فلا يضع شيئًا إلاّ في موضعه الذي يناسبه، ولا يفرّق بين متماثلين، ولا يسوي بين مختلفين.
وعلى هذا فالظلم الذي حرّمه الله على نفسه وتنزّه عنه فعلًا وإرادة هو ما فسّره به سلف الأمة وأئمتها أنه لا يحمِّل المرء سيئات غيره، ولا يعذبه بما لم تكسب يداه، وأنه لا ينقص من حسناته فلا يجازى بها أو ببعضها، وهذا هو الظلم الذي نفى الله خوفه عن العبد بقوله: {وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلاَ يَخَافُ ظُلْمًا وَلاَ هَضْمًا} [طه:112] ، قال المفسّرون: لا يخاف أن يحمَّل عليه سيئات غيره ولا ينقص من حسناته، وقيل: يظلم بأن يؤاخذ بما لم يعمل، وقيل: لا يخاف ألاّ يجزى بعمله.
والله سبحانه وتعالى قادرٌ على الظلم، وإنما استحقّ سبحانه الحمد والثناء لأنه ترك الظلم وهو قادرٌ عليه، والمدح إنما يكون بترك المقدور عليه لا بترك الممتنع، وعلى هذا فعقوبة الإنسان بذنب غيره ظلم ينزَّه الله عنه، وأما إثابة المطيع ففضلٌ منه وإحسان، وإن كان حقًا واجبًا بحكم وعده باتفاق المسلمين، وبما كتبه على نفسه من الرحمة، وبموجب أسمائه وصفاته سبحانه وتعالى.
وهم المعتزلة ومن وافقهم.
رواه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء، باب: حديث أبرص وأعمى وأقرع (3464) ، ومسلم في الزهد والرقائق (2964) .
مجموع الفتاوى (8/434-436) باختصار.
الحديث رواه البخاري في التوحيد، باب: وكان عرشه على الماء (7422) .
منهاج السنة لابن تيمية (1/462-463) باختصار.
انظر: مجموع الفتاوى (8/372) .
انظر: مجموع الفتاوى (8/129، 290، 373) .
انظر: القضاء والقدر للمحمود (ص 268-270) ، وانظر أيضًا: شرح الطحاوية لابن أبي العزّ (ص 637-639) ، ودرء التعارض (1/61) .
شفاء العليل (2/87) .
تقريب وترتيب شرح العقيدة الطحاوية للشيخ خالد بن فوزي (2/1069) ، وانظر أيضًا: مجموع الفتاوى (8/35-36) .
القضاء والقدر للمحمود (ص 277-278) .
انظر: زاد المسير لابن الجوزي (5/224) .
القضاء والقدر للمحمود (ص 285-286) ، وانظر: منهاج السنة (2/236) ومفتاح دار السعادة (2/107) ، وشرح العقيدة الطحاوية (ص 659-660) .
سابعًا: ثمرات الإيمان بقضاء الله وقدره:
للإيمان بقضاء الله وقدره فوائد عظيمة، منها:
1-أنه يعرِّف الإنسانَ قدرَ نفسه، فلا يتكبّر ولا يبطر، ولا يتعالى أبدًا؛ لأنه عاجز عن معرفة المقدور، ومستقبل ما هو حادث، ومن ثمّ يقرّ الإنسان بعجزه وحاجته إلى ربه تعالى دائمًا، وهذا من أسرار خفاء المقدور.
2-يقول الشوكاني:"ومن فوائد رسوخ الإيمان بهذه الخصلة أنه يعلم أنه ما وصل إليه من الخير على أيّ صفة كان وبيد من اتفق فهو منه عز وجل، فيحصل له بذلك من الحبور والسرور ما لا يقدر قدره، لما له سبحانه من العصمة التي تضيق أذهان العباد عن تصوّرها، وتقصر عقولهم عن إدراك أدنى منازلها... وما أحسن ما قاله الحربي: من لم يؤمن بالقدر لم يتهنّ بعيشه".
3-الإيمان بالقدر يقضي على كثير من الأمراض التي تعصف بالمجتمعات وتزرع الأحقاد بين المؤمنين، فالمؤمن يسعى لعمل الخير، ويحب للناس ما يحبّ لنفسه، فإن وصل إلى ما يصبو إليه حمد الله وشكره على نعمه، وإن لم يصل إلى شيء من ذلك صبر ولم يجزع، ولم يحقد على غيره ممن نال من الفضل ما لم ينله؛ لأن الله هو الذي يقسم الأرزاق فيعطي ويمنع، وكل ذلك ابتلاء وامتحان منه سبحانه وتعالى لخلقه.
4-الإيمان بالقدر يبعث في القلوب الشجاعة على مواجهة الشدائد، ويقوّي فيها العزائم، فيثبت صاحبه في ساحات الجهاد ولا يخاف الموت؛ لأنه موقن أن الآجال محدّدة لا تتقدم ولا تتأخر لحظةً واحدة.
5-الإيمان بالقدر من أكبر العوامل التي تكون سببًا في استقامة المسلم، وخاصة في معاملته للآخرين، فحين يقصِّر في حقّه أحدٌ أو يسيء إليه أو يردّ إحسانه بالإساءة أو ينال من عرضه بغير حق تجده يعفو ويصفح لأنه يعلم أن ذلك مقدّر، وهذا إنما يحسن إذا كان في حقّ نسفه، أمّا في حقّ الله فلا يجوز العفو ولا التعلل بالقدر، لأن القدر إنما يحتج به في المصائب لا في المعايب.
6-الإيمان بالقدر يغرس في نفس المؤمن حقائق الإيمان المتعدّدة، فهو دائم الاستعانة بالله، يعتمد على الله ويتوكل عليه مع فعل الأسباب، وهو يغرس أيضًا في نفس المؤمن الانكسار والاعتراف لله تعالى حين يقع منه الذنب، ومن ثم يطلب من الله العفو والمغفرة.