فهرس الكتاب

الصفحة 4411 من 27345

ولما ذهب الشافعي إلى اليمن استعمله الوالي في بعض أعماله، فقام بها خير قيام، ناظرًا في ذلك إلى المصلحة العامة والترفق بالناس، وتمتع بسمعة طيبة وذكر حسن. وتلقى الشافعي العلم باليمن على مطرف بن مازن وغيره. وقد كادت ولاية الأعمال أن تشغل الشافعي عن الانصراف بكليته إلى العلم، فنصح له بعض شيوخه بتركها.

رحلته الأولى إلى العراق وسببها:

لما ارتفع شأن الشافعي باليمن، وطار صيته فيها خشي حساده من ذهاب مجدهم وسلطانهم، وضعف مركزهم عند والي اليمن، فسعوا به إلى الرشيد، بواسطة أحد قواده المقيم باليمن، فأرسل القائد إلى الخليفة يخوفه من مؤامرة علوية تدبر ضد الخلافة وأسند زعامة هذه المؤامرة إلى الشافعي:"إن معهم رجلًا يقال له: محمد بن إدريس، يعمل بلسانه ما لا يقدر عليه المقاتل بسيفه، فإن أردت أن تبقىِ الحجاز عليك فاحملهم إليك، فبعث الرشيد إلى اليمن من حمل الشافعي مع العلويين إلى العراق فقتلهم الرشيد جميعًا عدا الشافعي، فإنه نجا من القتل بعد مناقشة طويلة وحوار مع الرشيد. وكان ذلك بحضرة محمد بن الحسن. وقد كانت له به معرفة سابقة بالحجاز فشفع للشافعي عند الرشيد، فقبل شفاعته، وأقام الشافعي ببغداد يتلقى فيها العلم: عن وكيع بن الجراح، وحماد بن أسامة الهاشمي الكوفي، وعبد الوهاب بن عبد المجيد البصري وغيرهم، وقد كان الشافعي في هذه الإقامة ضيفًا على محمد بن الحسن الذي أحسن ضيافته ويسر له سبل العيش، ومكنه من استظهار كتبه، ونسخ ما شاء منها، فازداد إلمامًا بآراء الحنفية، كما سبق له أن تشبع بالفقه المالكي، مما كان له أثر قوي في نضجه العلمي، وأخذ في التأليف والتدريس، فقد كانت آراؤه معتدلة متوسطة بين أهل الحديث وأهل الرأي."

وقد حاز الشافعي احترام الأفراد والعلماء، حتى وشى به بعض العلماء المقربين من الخليفة، فخرج من بغداد إلى مكة، وأقام بها مدة ينشر علمه على الحجاج.

وفي سنة خمس وتسعين ومائة: عاد إلى بغداد، وأقام فيها سنتين، يدرس فيها العلم، وعكف على الاستفادة منه الصغار والكبار من الأئمة والأحبار من أهل الحديث والفقه وغيرهم، ورجع كثيرون منهم عن مذاهب كانوا عليها إلى مذهبه، وتمسكوا بطريقته كأبي ثور، وخلائق لا يحصون، ثم خرج إلى مكة، ثم عاد إلى بغداد للمرة الثالثة في سنة 198 هـ، وأقام بها شهرًا أو شهورًا ثم خرج إلى مصر.

كان من عادة الحجاج المصريين: أن يذهبوا إلى المدينة لزيارة النبي صلى الله عليه وسلم بعد فراغهم من أعمال الحج بمكة، وكانوا يسمعون كتاب الموطأ في المسجد النبوي،

.00وقد سمع الشافعي شيئًا عن مصر، وأهلها فحبب إليه الذهاب إليها ليقوم بنشر علمه فيها، فخرج إلى مصر مع واليها: العباس بن عبد الله بن العباس بن موسى بن عبد الله ابن عباس، فوصل إليها سنة تسع وتسعين ومائة، أو سنة مائتين، وقد مات الليث بن سعد ففرح به المصريون، ورحبوا به ترحيبًا عظيمًا واحتفوا بقدومه، وأنزلوه منزلًا كريمًا، لما عرفوه عنه من علم وفضل، فقد أخلف الله عليهم به ما فقدوا من علم الليث وفضله، وقد اختار الشافعي النزول على أهله من الأزد.

وقد قدم له عبد الله بن عبد الحكم - من كبار العلماء الأعيان بمصر- أربعة آلاف درهم: ألف منها من ماله، وثلاثة آلاف من تجار مصر وأعيانها، فشكر الشافعي له ذلك الصنيع.

صفاته:

وصف عبد الله بن عبد الحكم الإمام الشافعي غداة وصوله إلى مصر فقال: كان خاضبًا بالحناء، طويل القامة، جهوري الصوت، كلامه حجة في اللغة، عليه دلائل الشجاعة والفراسة، قليل لحم الوجه، مستطيل الخدين، طويل العنق، طويل عظم العضد والساعد والفخذ والساق.. وقد كان الشافعي راميًا مسددًا، فقد روى عنه أنه قال: وكانت نهمتي في شيئين: في الرمي، وطلب العلم، فنلت من الرمي حتى كنت أصيب من عشرة عشرة. وفي رواية تسعة.

والظاهر: أن الرواية الثانية هي الأرجح، لأنه لو أراد معنى الرواية الأولى لكان يكفيه أن يقول: ما كنت أخطئ أبدًا.

وبلغ من شدة حبه للرمي: أنه إذا رأى من يجيده كافأه على ذلك. فقد قال المزني: كنت مع الشافعي، فمر بهدف، فإذا رجل يرمي بقوس عربية، فوقف عليه الشافعي، وكان حسن الرمي، فأصابت سهامه.

فقال الشافعي: أحسنت، وقال لي: ما معك؟ قلت: ثلاثة دنانير.

فقال: أعطه إياها. وقال للرامي: اعذرني إذ لم يحضرني غيرها.

وقد كان الشافعي قوي العارضة، قوي الحجة، واضح البرهان في مجادلته، فقد ناظر بالرقة محمد بن الحسن، فأفحمه، فبلغ ذلك هارون الرشيد، فقال: أما علم محمد بن الحسن إذا ناظر رجلًا من قريش أنه يفحمه: سائلًا أو مجيبًا، والنبي صلى الله عليه وسلم

يقول:"قدموا قريشًا ولا تقدموها، وتعلموا منها ولا تعلموها، فإن علم العالم منهم يسع طباق الأرض".

قال عبد الملك بن محمد: إن الشافعي هو المقصود من قوله صلى الله عليه وسلم:"عالم قريش يملأ طباق الأرض علمًا".

تلاميذه:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت