وأخذ أصحاب كل بلد يصارعون لتكون لهم الرياسة والريادة دون أصحاب البلد الآخر، وهناك بعض الافتراقات والاختلافات التي أتى بها المسلمون لبلدان أوربا، قليلها عقدي وكثيرها تشريعي، وإن كانت قليلة إلا أنها تؤثر بجزء في جسم المسلمين هناك، إذ غدا بعضهم يحذر طلاب العلم من الدراسة بمعهد كذا لأنه لمجموعة ليسوا على الهدى، مع أن المواد التي تدرَّس فيه هي مواد شرعية متفق على مسمياتها ومراجعها. وهذا ما أفقدهم الكثير، وجعل منهم أضحوكة لأهل البلاد من الأوربيين مما خلف مآسي كثيرة منها:
(1) عدم القيام بالدور المطلوب منهم أصلًا، وهو دعوة الأوربيين للإسلام، هذا الدين السمح الذي هم والله أحوج ما يكونون إليه إذ يعيشون في خواء لا ينفكون عنه إلا بالإسلام.
(2) اختلافهم وافتراقهم أفقدهم الكثير من حقوقهم:
( أ ) التعليمية:
إذ من المفترض أن ينشئوا مدارس إسلامية تخصهم؛ لتعليم أبنائهم دينهم ولغتهم على نفقة الدول الأوربية التي يعيشون فيها، ولقد حصل هذا لبعضهم كمسلمي هولندا ولم يحصل للآخرين لاختلافهم وتفرقهم.
( ب ) الدستورية:
وذلك من أن يكون لهم كيان واحد، مجلس أعلى أو رابطة أو غير ذلك من الأسماء؛ لأنه الجهة الوحيدة التي يمكن أن تخاطب المسئولين بالبلد بالتذكير بأخذ حقوقهم والمطالبة بها.
فلما لم يتحدوا لم تقم المجالس و الروابط مما ضيع عليهم حقوقًا كثيرة، في كثير من دول أوربا.
( ج ) الثقافية والاجتماعية:
فكل الدول الأوربية تخصص ميزانية للجاليات والأقليات ذات الثقافة والطابع الخاص، فبالفرقة والشتات والخصام فقدوا هذا المخصص الذي هو لهم أصلًا، وبه كان يمكنهم إنشاء دور للنشء ونوادٍ لأبناء المسلمين تقوم على هدى لترعاهم وتفصلهم عن نوادي الآخرين من غير المسلمين، والتي بها كل ما يخطر على بالك من شرور ومآسي الافتراق كثيرة، والتي ذكرنا، نماذج لها.
ولا يمكن أن نتجاوز هذه المآسي إلا بتخطينا لعقبة الفرقة لنصل لبرِّ الوحدة، فنحقق ما تحقق للصحابة من سلامة صدر ووحدة حقيقية، وذلك ما امتن الله به على نبيه صلى الله عليه وسلم إذ يقول: (هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعًا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم) [سورة الأنفال: 62ــ 63] فلا وحدة إلا باتحاد القلوب ولا اتحاد قلوب إلا باتحاد الاعتقاد.
فبالوحدة والاعتصام سنفعل الكثير بإذن الله تعالى (( ويد الله على الجماعة، ومن شذ شذ في النار ) )أو كما قال صلى الله عليه وسلم.
هذا وبالله التوفيق