فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
لما كان المسلمون على قلب رجل واحد، متحدين عقيدة وشريعة، وسياسة وسلوكًا وتوجهًا، فقد دانت لهم كثير من بلاد الدنيا ومنها ـ غربًا ـ الأندلس، ففُتحت الأندلس على أيدي رجال هم من خيرة أهل الأرض يومئذٍ، وشعَّ نور الإيمان بها فأضاء جبالها وسهولها ووديانها، فانتشر الإسلام بها ودخل الناس فيه أفواجا لسماحته، وفي وقت كان الأوربيون في أمس الحاجة له، بل وازدهرت العلوم في جميع التخصصات حتى غدت قبلة للأوربيين يأتونها من شتى بلدانها لينهلوا من معين علومها الصافي، في الطب والهندسة وبقية العلوم، فبلغ عز المسلمين بها مبلغًا عظيمًا سطرته كتب التاريخ، فكان يأتي الطالب الأوربي طلبًا للعلم من عند نفسه ورغبته، ويأتي بعضهم بتوجيه من دولته ممثلًا في ملكه طالبًا من أمير المؤمنين بالأندلس أن يقبل له مجموعة من الطلاب ليدرسوا علوم الطب وكذا وكذا من العلوم.
كما نفعل نحن اليوم تمامًا يذهب بعض أبنائنا لبلدان أوربا لرغبته الشخصية، أو ابتعاثًا من حكومته ودولته طلبًا للعلم الإنساني التجريبي من طب وهندسة وفلك وبقية العلوم.
فازدهرت الأندلس أيما ازدهار، وغدت منارًا للعلم بلغت شهرتها الآفاق، وما ذاك إلا للتمسك بهذا الدين الحنيف الذي شكل لهم وحدة حقيقية يستحيل معها ضربهم من أي جهة مهما كانت قوتها.
واستمرت دولة الإسلام بالأندلس قرونًا، إلى أن دبَّ فيها الاختلاف، فجاءت الخلافات العرقية الإقليمية فهؤلاء من أصول يمنية، وهؤلاء من أصول شامية، وأصول حجازية وهكذا، ورأى كل منهم أنه أحق بالإمامة والخلافة من دون الآخرين.
(يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير) [سورة الحجرات: 13] .
فدبت العصبية في قياداتهم واستقل كل قائد بمنطقة، ونصب نفسه ملكًا عليها بسند من طائفته وعصبته
ألقاب مملكة في غير موضعها كالهر يحكي انتفاخًا صولة الأسد
وأخذ كل منهم يغزو الطائفة الأخرى، بل استعانوا بالنصارى ليتقووا بهم على إخوانهم، فضعفت الدولة بتقسمها إلى طوائف ودويلات، مما جعلها بعد ذلك لقمة سائغة للنصارى الذين أرجعوها لنفوذهم بعد أن دانت للمسلمين ثمانية قرون، (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا) [سورة الأنفال: 46] .
(ب) في العصر الحديث:
(1) من مآسي الافتراق في أوربا: زوال الخلافة، فإن كانت قد ذهبت دولة الأندلس وزالت،وإن كان وقع الأمر على المسلمين عظيمًا إلا أن دولة الخلافة بالشرق لم تزل قائمة. إلى الثلث من بداية القرن الهجري الماضي (القرن الرابع عشر) ، حتى جاءت قاصمة الظهر: دعوة الأتراك إلى القومية الطورانية ــ أي التركية ــ فقامت دعوة على أساس عرقي قومي، مما أدى إلى ذهاب الخلافة بالكلية لأول مرة في تاريخ الأمة الإسلامية، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يقول: (( دعوها فإنها منتنة ) )، ومن نتنها أنها ذهبت بالخلافة، نسأل الله ردها، فتآمر اليهود مع الطورانيين، فقضوا على الخلافة، وغدت تركيا من الدولة الرئيسة في الشرق إلى الذيل في الغرب، تجري وراء أوربا حتى الآن وذلك بأنها جزء منها ولم تعترف لها أوربا بشيء من ذلك بالرغم مما قامت به من القضاء على الخلافة، (ومن يهن الله فما له من مكرم) [سورة الحج: 18] .
(2) وجاء المسلمون إلى أوربا مرة أخرى، وبدأ تواجدهم بها بعد الحرب العالمية الأولى إلا أنهم كثروا بعد العالمية الثانية، ثم ما زالوا في زيادة مضطردة وذلك: بازدياد القادمين إليها من البلدان الإسلامية، وبتناسل الموجودين، وبإسلام بعض أهل البلاد الأصليين من الأوربيين.
وعددهم اليوم لا بأس به:
• أكثر من ستة ملايين بفرنسا.
• أكثر من أربعة ملايين بإنجلترا.
• أكثر من أربعة ملايين بألمانيا.
• أكثر من سبعمائة ألف ببلجيكا.
• أكثر من سبعمائة ألف بهولندا.
• وهناك مئات الألوف بالدول الاسكندنافية: السويد، النرويج، الدنمارك، وفنلندا.
• وكذلك مئات الآلوف بإيطاليا واليونان والدنمارك وغيرها من البلدان.
فعدد المسلمين في أوربا لا يستهان به، ولكنهم أَتَوْا بخلافاتهم لأوربا بأشكالها المختلفة، العقائدية، التشريعية، والسياسية بعصبياتها المختلفة.
وقد يكون لعامل العصبية القبلية والإقليمية الضلع الأكبر في مآسي الافتراق بأوربا.
فبسبب الانتماء للبلد افترق الناس، ولم يجتمعوا حتى في المساجد، فهذا مسجد للمغاربة، وذاك للأتراك، وثالث للباكستانيين وهكذا.
وفي أبناء البلد الواحد فُرقة أخرى، هؤلاء من الناطقين بالعربية وهؤلاء من الناطقين بالبربرية.