هناك خلط بين البدع والمصالح المرسلة، والمصالح المرسلة هي كل ما جلب خيرًا أو دفع ضرًا، ولم يرد في الشرع ما يثبته أو ينفيه، مع موافقته لمقاصد الشرع وحاجة الناس الماسة له، نحو كتابة القرآن وجمعه في مصحف في عهد الخليفتين الراشدين أبي بكر وعثمان رضي الله عنهما، وكتابة العلم، وتدوين السنة، واتخاذ المحراب، وسنّ عثمان للأذان الأول للجمعة عندما توسعت المدينة وكَثُر الناس بها، ونحو ذلك. فهل هناك من علاقة بين هذه المصالح المرسلة من ناحية وبين المحدثات البدائع التي ليس لها أصل في الدين، نحو الاحتفال بالموالد والحوليات وما شاكلها؟ هل هناك من علاقة بين ما فعله السلف الصالح واقتضته المصلحة وحتّمته الحاجة، وبين ابتداع الخلَف لأمور ما أنزل الله بها من سلطان، ولم تؤثر عن عَلَم من الأعلام؟! اللهم لا وألف لا.
متى ظهرت بدعة الاحتفال بالمولد؟ ومن أول من أحدثها؟
لم تظهر هذه البدعة إلا في نهاية الربع الأول من القرن السابع الهجري، أي في عام 625هـ، على يد الملك المظفّر أبي سعيد كوكبري صاحب إربل سامحه الله، المتوفى 630هـ، أحد حكام المماليك.
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله في تاريخه [البداية والنهاية: 13/136-137] :"وكان يعمل المولد الشريف في ربيع الأول، ويحتفل به احتفالًا هائلًا... وقد صنف الشيخ أبو الخطاب ابن دحية له مجلدًا في المولد النبوي سماه: (التنوير في مولد البشير النذير) فأجازه على ذلك بألف دينار".
ثم حكى عن سبط ابن الجوزي أنه قال: حكى بعض من حضر سِماط المظفر في بعض الموالد كان يمد في ذلك السماط خمسة آلاف رأس مشوي، وعشرة آلاف دجاجة، ومائة ألف زبدية، وثلاثين ألف صحن حلوى، وكان يحضر عنده المولد أعيان العلماء والصوفية، فيخلع عليهم ويطلق لهم، ويعمل للصوفية سماعًا من الظهر إلى الفجر (!!) ويرقص بنفسه معهم (!!) .
فلو كان الاحتفال بالمولد دينًا مشروعًا لما غفل عنه الصحابة والتابعون وتابعوهم بإحسان في القرون الفاضلة وعُني به المتخلفون عن السنة. والله لو كان خيرًا لما سبق إليه المظفر وقصر عنه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، ولم ينبه عليه الأئمة المقتدى بهم. فالخير كل الخير في الاتباع، والشر كل الشر في الابتداع. ورحم الله مالكًا الإمام فقد كان من أشد الأئمة بغضًا للابتداع في الدين ولهذا كان دائمًا ينشد:
وخيرُ أمورِ الدينِ ما كان سنةً
وشرُّ الأمورِ المحدثاتُ البدائعُ
أقوال وفتاوى بعض أهل العلم في بدعية الاحتفال بالمولد:
لقد أفتى العديد من أهل العلم قديمًا وحديثًا ببدعية الاحتفال بالمولد، ولكننا سنشير إلى فتاوى ثلاثة من الأقدمين وهم:
(1) تاج الدين عمرو بن علي اللخمي الشهير بالفاكهاني (654-734هـ) :
وهو الفقيه المالكي صاحب شرح الفاكهاني على الرسالة [انظر ترجمته في شجرة النور الزكية صـ204-743هـ] ، وقد صرح هذا العالم الرباني ببدعية الاحتفال بالمولد في أي صورة من صوره في كتاب له أسماه (المورد في الكلام عن عمل المولد) جاء فيه:".. أما بعد فإنه تكرر سؤال جماعة من المباركين عن الاجتماع الذي يعمله بعض الناس في شهر ربيع الأول ويسمونه المولد، هل له أصل في الشرع؟ أو هو بدعة وحَدَث في الدين؟ وقصدوا الجواب عن ذلك مبينًا، والإيضاح عنه معينًا، وبالله التوفيق: لا أعلم لهذا المولد أصلًا في كتاب و لا سنة، ولا يُنقل عمله عن أحد من علماء الأمة الذين هم القدوة في الدين، المتمسكون بآثار المتقدمين، بل هو بدعة أحدثها البطَّالون، وشهوة نفس، اعتنى بها الأكالون، وبدليل أنا إذا أدرنا عليه الأحكام الخمسة قلنا إما أن يكون واجبًا أو مندوبًا، أو مباحًا، أو مكروهًا، أو محرمًا. وليس بواجب إجماعًا ولا مندوبًا، لأن حقيقة المندوب ما طلبه الشرع من غير ذم على تركه، وهذا لم يأذن فيه الشرع، ولا فعله الصحابة، ولا التابعون، ولا العلماء المتدينون فيما علمتُ، وهذا جوابي عنه بين يدي الله تعالى إن عنه سئلتُ. ولا جائز أن يكون مباحًا لأن الابتداع في الدين ليس مباحًا بإجماع المسلمين فلم يبق إلا أن يكون مكروهاُ أو حرامًا وحينئذ يكون الكلام فيه من فصلين، والتفرقة بين حالين:"
أحدهما: أن يعمله رجل من عين ماله لأهله وأصحابه، و لا يجاوزون في ذلك الاجتماع على أكل الطعام، ولا يقترفون شيئًا من الآثام. وهذا الذي وصفناه بأنه بدعة مكروهة وشنيعة إذ لم يفعله أحد من متقدمي أهل الطاعة الذين هم فقهاء الإسلام وعلماء الأنام، سرج الأزمنة، وزين الأمكنة.
والثاني: أن تدخله الجناية، وتقوى به العناية حتى يُعطي أحدهم الشيء ونفسه تتبعه، وقلبه يُؤلمه ويوجعه، لما يجد من ألم الحيف، وقد قال العلماء: أخذ المال حياءً كأخذه بالسيف، لا سيما إذا انضاف إلى ذلك شيء من الغناء، مع البطون الملأى، بآلات الباطل من الدفوف والشبابات واجتماع الرجال مع الشباب المرد والنساء الفاتنات، إما مختلطات بهم، و إما مشرفات"."