فهرس الكتاب

الصفحة 4573 من 27345

وسُئل عطاءُ بنُ رباح ـ التابعيُ الثقة ـ عن اختلاطِ نساءِ النبي صلى الله عليه وسلم بالرجال في الطواف فقال:"لَمْ يَكُنَّ يُخَالِطْنَ كَانَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا تَطُوفُ حَجْرَةً مِنَ الرِّجَالِ لَا تُخَالِطُهُمْ"أخرجه البخاري ح1618. وهل أصرح من هذا الجواب. ومعنى حجرة: أي معتزلة في ناحية.

وقد صدر -من اللجنة الدائمة- ردٌّ على من استدل على جواز الاختلاط بالاختلاط في الطواف، وهذا نص الفتوى (رقم الفتوى 6758) :"أما قياس ذلك على الطواف بالبيت الحرام فهو قياس مع الفارق، فإن النساء كن يطفن في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- من وراء الرجال متسترات، لا يداخلنهم ولا يختلطن بهم .."وقد وقع على هذه الفتوى سماحة الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن باز، وعبدالرزاق عفيفي، وعبدالله بن قعود، وعبدالله بن غديان.

أما الواقع الذي نراه من الاختلاط المزعج في المطاف والمسعى، فإن الواجب إصلاحه بما أمدنا الله جل وعلا من وسائل وإمكانات.

والشبهة الثانية: التي تروجُ على بعضِ العامة في جوازِ الاختلاط: مداواةُ النساء للجرحى من الرجال في الجهاد في سبيل الله زمن النبي صلى الله عليه وسلم.

والجواب عن هذه الشبهة يسير جدًا: فإن المداواة هنا للضرورة، أما الرجال فالجيش بأمس الحاجة إليهم في قتال الكفار.

قال ابنُ حجر في الفتحِ تعليقًا على حديث مداواة الجرحى:"وفيه جوازُ معالجةِ المرأةِ الأجنبيةِ الرجلَ الأجنبيَ للضرورة. قال ابن بطال: ويختص ذلك بذوات المحارم، ثم بالمُتجالات منهن (وهن كبيرات السن اللواتي لا يحتجبن كالشابات) لأن موضعَ الجرحِ لا يُلتَذُّ بلَمسه، بل يَقشعر منه الجلد، فإن دعت الضرورة لغير المتجالات فليكن بغير مباشرة، ولا مس"اهـ كلامُ ابنِ بطال نقلًا عن الفتح.

فانظر إلى فهمِ العلماء وقيودِهم.

و هل نحنُ إلى هذه الدرجةِ من السذاجةِ حتى نستدلَّ بِمُداواةِ الجرحى للضرورة، على جواز الاختلاط في الاجتماعات والندوات، والسكرتارية، وفي كل ميادين التطبيب والتمريض بلا ضرورة أو حاجة ملحة.

والسؤال هنا كيف يتم تصحيح حال المستشفيات من واقع الاختلاط؟.

يتمنى كثير من الأطباء الأخيار، والطبيباتُ الخيرات، وغيرُهم: منعَ الاختلاطِ في المستشفيات، لكنهم يشعرون بصعوبة التغيير، وبعضهم ليس في ذهنه مشروع يطمح للوصول إليه وإن كان ينكر الواقع المنحرف.

وأطرح هنا مشروعًا للمتفائلين، وهو أن يكون التصحيح على مرحلتين: المرحلة الأولى على المدى القريب، والمرحلة الثانية تكون على المدى البعيد.

أما المدى البعيد فهو ما نادى به سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله، ومن قبله سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله، وهو إيجادُ مستشفى خاصٍ بالنساء، وآخرُ بالرجال. ويبدأ ذلك من دراسة الطب: كليةٌ خاصةٌ للنساء، وأخرى للرجال، ومستشفى تعليمي للنساء، وآخرُ للرجال.

أما الحل الذي يكون على المدى القريب فيكون بأمور:

أولًا: وجودُ القناعةِ الشرعيةِ بحرمةِ الاختلاط بالأدلةِ الشرعيةِ كما سبق ذكره. وتكرارُ الوعي فيه بين العاملين في الميدانِ الطبي وغيرِهم.

ثانيًا: أن يقومَ ببيانِ ذلك للأطباءِ و طلابِ الطب الأطباءُ أنفسُهم . فلابد أن يسمعَ طالبُ الطبِ من أستاذِه الصالح: أن الاختلاط محرمٌ شرعًا، وأن هذا الواقعَ لابدَ من إصلاحِه . وأن الجميع يتحمل واجب تغييره، و أنه لابد أن يتحقق إن شاء الله في يوم من الأيام.

وبيان ذلك من أساتذة الطب لطلابهم هو أفضل طريق لتخلص طلابِ الطب من عقدةِ الانهزامية في طرح القضايا الشرعية نظريًا أو عمليًا كموضوع منع الاختلاط، وحفظ العورات.

وبعضُ الأطباء الصالحين لا يريد أن ينتقد فيسكت، أو يبرر واقع الاختلاط، أو يقول بأن التغيير مستحيل فينشر التثبيط وهو لا يشعر، والصواب أن لا يذكر ذلك حتى لو كانت هذه قناعته الشخصية، لأن الله قد يفتح على غيره من معرفة طرق الإصلاح ما لا يعلم.

ثالثًا: التدرج في منع الاختلاط.

نتدرج مع الناس، ومع الأطباء، فإنهم بحاجة لأن يتدرجوا مع أنفسهم في منع الاختلاط، لطول ما نشأوا عليه، فيضع الأخيار تخطيطًا متدرجًا حتى يتم قبوله من الكثير.

فهناك أمور يسهل منع الاختلاط فيها في المراحل الأولى؛ ومنها الدروس النظرية التي يقدمها أساتذة الطب لطالبات الطب، فهذه يجب أن تكون من وراء الهاتف أو الشبكة.

واجتماعات الأقسام اليومية أو الدورية، أو المحاضرات الطبية، ما المانع أيضًا أن تكون من وراء حجاب كما أمر الله تعالى، فيكون للنساء غرفة، وأخرى للرجال، ويكون النقاش من خلال الهاتف.

ومن الأمور اليسيرة في قسم العمليات: أن تخصص غرف للمريضات، وأخرى للرجال. فالتي تكون للنساء لا يدخلها إلا النساء من الطبيبات والفنيات والممرضات، وما دعت إليه الضرورة من الرجال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت