فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
فها هو رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعث والأصنام تملأ جوف الكعبة، وتحيط بها وتعلوها من كل جانب، ثم لا يقبل على إزالتها بالفعل إلا يوم فتح مكة، في العام الثامن من الهجرة، أي أنها بقيت منذ بعث إلى يوم تحطيمها إحدى وعشرين سنة؛ ليقينه بأنه لو قام بتحطيمها من أول يوم، قبل أن تحطم من داخل النفوس لأقبلوا على تشييدها وزخرفتها بصورة أبشع، وأشنع، فيعظم الإثم، ويتفاقم الضرر، لذلك تركها، وأقبل يعد الرجال، ويزكي النفوس، ويطهر القلوب حتى إذا تم له ذلك أقبل بهم يفتح مكة، ويزيل الأصنام، مرددًا: وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا [81] { [سورة الأسراء] وها هو صلى الله عليه وسلم يخاطب أم المؤمنين عائشة قائلا: [ أَلَمْ تَرَيْ أَنَّ قَوْمَكِ لَمَّا بَنَوْا الْكَعْبَةَ اقْتَصَرُوا عَنْ قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ] فَقَالَتْ عَائِشَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا تَرُدُّهَا عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: [ لَوْلَا حِدْثَانُ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ لَفَعَلْتُ] رواه البخاري ومسلم . فالنبي صلى الله عليه وسلم هنا توقف في شأن تجديد الكعبة، وإعادتها إلى قواعد إبراهيم خوفًا من أن يؤدي ذلك إلى منكر أكبر، وهو الفرقة والشقاق، بدليل قوله في رواية أخرى: [...وَلَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ بِالْجَاهِلِيَّةِ فَأَخَافُ أَنْ تُنْكِرَ قُلُوبُهُمْ] رواه البخاري ومسلم. بل إن المسلم حين يسكت عن منكر؛ خوفًا من أن يؤدي إلى منكر أكبر- مع الرفض القلبي والمقاطعة، ومع البحث عن أفضل السبل للتغيير، ومع العزم الصادق على أنه حين تتاح الفرصة لن يكون هناك توان ولا تباطؤ- لا يكون آثمًا بذلك، وصدق الله الذي يقول: } لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [286] { [سورة البقرة] ، فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ [16] { [سورة التغابن] . فإذا نسي العامل أو الداعية فقه أسلوب تغيير المنكر وإزالته، وقع في الاستعجال لظنه، أو لتصوره أن الأمر يجب تنفيذه فورًا وأنه آثم ومذنب إن لم يقم بذلك.
6-العجز عن تحمل مشاق ومتاعب الطريق: ذلك أن بعضًا من العاملين يملك جرأة وشجاعة، وحماسًا لعمل وقتي، ولو أدّى به إلى الموت، لكنه لا يملك القدرة على تحمّل مشاق ومتاعب الطريق لزمن طويل، مع أن الرجولة الحقة هي التي يكون معها صبر، وجلد، وتحمل، ومثابرة، وجد، واجتهاد حتى تنتهي الحياة، لذلك تراه دائما مستعجلًا؛ ليجنّب نفسه المشاق والمتاعب، وإن تذرع بغير ذلك.
وقد أفرزت الحركة الإسلامية في العصر الحاضر صنفًا من هذا عجز عن التحمل والاستمرار فاستعجل، وانتهى، وصنفًا آخر أوذي في الله عشرات السنين، فصبر، وتحمل، واحتسب؛ لأن الظروف غير ملائمة، والفرص غير مواتية، والعواقب غير محمودة، والمقدمات ناقصة أو قاصرة، وكانت العاقبة أن وفقهم الله، وأعانهم، فثبت أقدامهم على الطريق، ولا تزال.
8-الظفر ببعض المقدمات أو ببعض الوسائل مع عدم تقدير العواقب: وقد يكون الظفر ببعض المقدمات، أو ببعض الوسائل مثل العدد البشري، ومثل الأدوات مع عدم تقدير العواقب، من زيادة تسلط أعداء الله، ومن حدوث فتنة وردة فعل لدى جماهير الناس، قد يكون كل ذلك هو السبب في الاستعجال. ولعل هذا هو السر في أمر الإسلام بالصبر على جور الأئمة، ما لم يصل الأمر إلى الكفر الصريح، والخروج السافر عن الإسلام، يقول عبادة بن الصامت رضي الله عنه: دَعَانَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَايَعْنَاهُ فَقَالَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا أَنْ بَايَعَنَا: [ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا وَأَثَرَةً عَلَيْنَا وَأَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنْ اللَّهِ فِيهِ بُرْهَان] رواه البخاري ومسلم. بل حتى الكفر البواح لا يكون معه خروج إلا إذا أمنت الفتنة، وتوفرت القدرات، والإمكانات، وهذا لا يمنع أن ننكر عليهم باللسان وبالقلب . يقول الإمام النووي - رحمه الله - في شرح حديث عبادة: [ معنى الحديث: لا تنازعوا ولاة الأمور في ولايتهم، ولا تعترضوا عليهم إلا أن تروا منهم منكرًا محققًا تعلمونه من قواعد الإسلام، فإذا رأيتم ذلك فأنكروه عليهم، وقولوا بالحق حيثما كنتم، وأما الخروج عليهم، وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين، وان كانوا فسقة ظالمين'. ونقل ابن التين عن الداودي قال: 'الذي عليه العلماء في أمراء الجور أنه إن قدر على خلعه بغير فتنة ولا ظلم وجب، وإلا فالواجب الصبر' .