فهرس الكتاب

الصفحة 4659 من 27345

وما الثمراتُ الاجتماعية في قصة الصِّدِّيق رضي الله عنه مع مِسْطح عنَّا ببعيدة! إذْ وَرَدَ تَعلِيقُ مَغفِرةِ اللهِ لِلعَبدِ على مَغفرتِه لأخيه، في قول الله عزَّ وجل: (وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) (النور 22) 0 فقد روت عائشة رضي الله عنها في حديثِ الإفك أنه لما أنزل الله عز وجل في براءتِها: (إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) (النور 11) العشر الآيات كلها؛ [57] (قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه وكان يُنفِق على مِسْطَح بن أُثاثَة؛ لِقَرابتِه منه وفَقْرِه: والله لا أُنفِقُ على مِسْطَح شيئا أبدًا؛ بعد الذي قال لعائشة ما قال. فأنزل الله (( وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) (النور 22) ، [58] قال أبو بكر: بلى والله؛ إني أُحِبُّ أنْ يَغفِرَ الله لي؛ فرجع إلى مِسطح النفقةَ التي كان يُنفِق عليه. وقال: والله لا أنْزِعُها منه أبدا)؛ [59] ولذلك روى مُسلم عن عبد الله بن المبارك قال: (هذه أرْجَى آيةٍ في كتابِ الله) . [60]

ومن الثمرات الاجتماعية للاستغفار: المتاع الحسن والرزق الطيب المبارك، كما قال الله عز وجل: (وَأَنِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ ) (هود 3) . وتلك وصية نبي الله هود عليه السلام حين قال: (وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِينَ ) (هود 52)

ووصية نوح عليه السلام حين قال: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا . يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا . وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا ) (نوح 10-12) 0

وقد روى أبو داود عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من لزم الاستغفارَ جعلَ الله له من كلِّ ضِيقٍ مَخرَجًا ومِن كلِّ همٍّ فَرَجًا، ورزقَه من حيث لا يحتسب) . قال ابن القيم رحمه الله في الفصل الثامن عشر من (الوابل الصيِّب) في الأذكار الجالبة للرزق الدافعة للضيق والأذى:"قال الله سبحانه وتعالى عن نبيه نوح صلى الله عليه وسلم: (( فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا . يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا . وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا ) (نوح 10-12) 0وفي بعض المسانيد عن ابن عباس أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هَمٍّ فَرَجًا ومن كلِّ ضِيقٍ مَخرَجًا ورَزقَه من حيث لا يحتسب) ". [61] "وفي الترمذي عن سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (دعوةُ ذي النون إذْ دعا ربه وهو في بطن الحوت(لا إله سبحانك إني كنت من الظالمين) لم يدع بها رجلٌ مسلمٌ في شيء قط إلا استجيب له). وفي رواية (إني لأعلم كلمة لا يقولها مكروب إلا فرج الله عنه: كلمة أخي يونس) ". [62]

أسأل الله العظيم ربَّ العرش الكريم أن يجعلَنا من المستغفِرين التائبين المتواضِعين، كما قال القرطبي رحمه الله في تفسير قول الله عز وجل: (فاستجاب لهم ربهم) :"أي: أجابهم، قال الحسن: مازالوا يقولون: ربَّنا ربَّنا! حتى استجاب لهم، وقال جعفر الصادق: مَن حَزَبَه أمرٌ، فقال خمسَ مرات: ربَّنا! أنْجاه الله مما يخافُ، وأعطاه ما أراد قيل وكيف ذلك قال: اقرءوا إن شئتم (الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم) إلى قوله: (إنك لا تخلف الميعاد) ". [63]

والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

[1] الجامع لأحكام القرآن 4/212.

[2] الجامع لأحكام القرآن 4/212.

[3] أي سورة آل عمران.

[4] الجامع لأحكام القرآن 4/210.

[5] تفسير السعدي 1/384-385.

[6] الفتح 4.

[7] الكهف 13. (إنهم فتيةٌ آمنوا بربِّهم وزدناهم هدى) .

[8] مريم 76.

[9] محمد 17.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت