فتجد كثيرًا من الناس وقد جمع ذلًا وهوانًا مع شهوات مستقذرة منحطة مترديًا لم ينل من الحظوظ إلا أوهاها، ولا من المذاهب إلا أرداها، قد فاته عز الدنيا وكرامتها مع فناء أيامها وانصرام مهامها، لم ينل منها إلا منال البهائم، وربما كانت البهائم أحسن حالًا منه حيث لا تتحمل الهم ولا تخاف فتغتم, فلا مخافة من نائبة, ولا حساب في العاقبة.
ومن الخلق من يريد العلو والفساد معًا كإبليس واليهود, ومنهم من لا يريد علوًا في الأرض ولا فسادًا وهم القلة فتلك الدار الآخرة يجعلها الله (لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) [القصص: من الآية83] .
فأصل الاستقامة على الصراط استقامة القلب وحسن توجهه إلى الله, فلابد أن يبحث الإنسان في قلبه: هل يحب الله عز وجل حقًا؟ وهل يرجوه وحده ولا يرجو سواه؟ وهل يخافه وحده ولا يخاف سواه؟ وهل يخلص له سبحانه كما أمر (فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) [غافر: من الآية65] ؟
وكذلك يفتش في نفسه عن ضد ذلك: هل يقع منه من عمله ما يرائي به الناس ويقصد به غير وجه الله؟ هل يقع منه من الحقد والحسد والبغضاء والشحناء ما يصرفه عن الاستقامة على الصراط؟ هل يقع منه إرادة الدنيا وابتغاؤها وانشغال الهم بها وأن تكون هي أكبر الهم ومبلغ العلم؟
ينظر في حاله ويفتش في نفسه، والأمر يبدأ ببذور الخواطر وتنبت بعد ذلك الإرادات من الخواطر، فعندما يفكر الإنسان كثيرًا في أمر معين ويسيطر ذلك على قلبه تنبت الإرادات الجازمة, فمرض العشق -مثلًا- يبدأ بنظرة تورث خاطرًا يخطر بالقلب، ثم يستمر الفكر فتستمر سقى الشيطان لهذه البذرة، ثم تسيطر على القلب حتى لا يستطيع منها حراكًا ولا عنها انفكاكًا, ولا يتخيل الحياة بدونها.
وكذلك حب المال، فالإنسان يولَد وليس في قلبه حب المال، حتى ما عرفه صغيرًا، فلو أعطيت طفلًاَ صغيرًا مائة من الجنيهات أو أكثر لمزَّقها بيده ولربما ألقاها، ثم ينمو معه حب المال فيكثر التفكير فيه، ويزداد بتخيل الكنوز والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة وغيرها من الأموال، حتى يجعل العبد عبدًا لهذا المال عظيم الرغبة فيه, لذلك نقول لابد حتى يستقيم القلب لابد من تطهيره من الإرادات الفاسدة, وملئه بالإرادات الإيمانية والخواطر الرحمانية التي تشغل فكر الإنسان بالآخرة فيفكر في الدنيا.. في خلق السماوات والأرض، ويعلم أن الله ما خلق هذا باطلًا، وينزهه عن ذلك، ويدعوه أن يقيه عذاب النار, ويفكر كثيرًا في الموقف بين يدي الله تعالى، وفي قيام الناس لرب العالمين، والشمس دانية فوق رءوسهم.. يفكر كثيرًا في الحساب، وفي الميزان، وفي الصراط وكيف سيمر عليه بعمله وكيف سيجازى على أعماله كلها بميزان الحق والقسطاس المستقيم: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) [الزلزلة:7، 8] .
ويفكر في الجنة، وفي أحوال أهلها، ونعيمهم، وما يتمتعون به من مجاورة الرب الكريم سبحانه وتعالى، والنظر إلى وجهه عز وجل في جنات عدن التي فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ويتأمَّل ويفكر كثيرًا في أهل النار وهم يتضاغون فيها ويُعذَّبون بأنواع الحرمان وأنواع العذاب الأليم في طعامهم، وشرابهم، ولباسهم، وأحوالهم كلها.. ذلك الفكر الذي يثمر استقامة القلب؛ لأن هذه الخواطر تثمر الإرادات التي تجعل العبد يطلب الجنة ويبتعد ويفر من النار.
ويفكر في وحدانية الله عز وجل في: أسمائه، وصفاته، وأفعاله، وقضائه، وقدره، وقدرته، وعظيم صنعه, ويفكر في ربوبيته وألوهيته؛ فيكون على أكمل الأحوال, ثم يُطهِّر قلبه من كل ما يضاد ذلك ويخالفه حتى يستقيم على سبيل غير معوجّة.
ثم الاستقامة بعد ذلك للسان فإنه رأس الجوارح بعد القلب, والأعضاء به, فإن استقام استقامت وان اعوج اعوجَّت فلينظر الإنسان فيما يتكلم به وليحذر مما حرَّم الله عز وجل من الكذب، والغيبة، والنميمة، والسب، والبذاء، والطعن في الناس، وأذيتهم بلسانه ذلك مما يكب الناس على وجوههم في النار، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ رضي الله عنه:"وهل يكب الناس على وجوههم أو قال على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم"صحيح رواه الترمذى وغيره.
فلابد من استقامة اللسان لاستقامة القلب والجوارح، ولابد من انشغاله بذكر الله تعالى؛ فإن أهل الجنة ليسوا يتحسرون إلا على ساعة مرت عليهم لم يذكروا الله فيها, ولابد أن يكفَّ لسانه إلا من خير فهو إما ذاكر غانم أو ساكت سالم، وكما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم:"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت".