ثم استقامة الجوارح بعده، وأهمها العين؛ فإنها أسرع المنافذ إلى القلب وأقصر الطرق إليه, والنظر دائمًا يورث تقلُّب القلوب وتغيرها سريعًا، فليحذر الإنسان من النظر إلى ما حرم الله عز وجل، وكم من الناس سيطر عليهم الشيطان بالنظر إلى ما حرَّم الله من خلال ما تعرضه وسائل الإفساد التي يقوم عليها الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا.
وفساد النظر في زماننا أعظم بكثير منه في الأزمنة الماضية حيث لم يكن الناس بهذه الكثرة، وما كانوا بهذا الفجور، وما كان الفساد بهذا الاتساع, كان غض البصر أمرًا يُحتاج إليه رغم قلة الفساد، فكيف حين ازداد؟ وكيف إذا كان الشر يأتيك من المشرق والمغرب ومن العالم كله من خلال أجهزة الإفساد ومن خلال الجرائد والمجلات؟
وتأملوا كيف يسعى الشباب والرجال والنساء إلى النظر إلى الصور المحرمة والعورات المكشوفة، وأن المجلات التي تتضمن ذلك والجرائد هي أكثر الجرائد والمجلات مبيعًا، والأفلام التي تعرض فيها تلك الصور هي أكثرها عرضًا وانتشارًا، فصار الفجَّار يأتون الفاحشة وهم يبصرون ويأتون في نواديهم المنكر، فهذا وأمثاله مما يمرض القلوب ويميتها ويمنعها الاستقامة مما لا يجعلها ثابتة على الحق، فلابد من استقامة النظر بغض البصر، والكف عن المحارم، وأن يستعمل العبد نظره في طاعة الله عز وجل، فينظر في كتاب الله تعالى متدبرًا، وفي ملكوت السماوات والأرض متفكرًا، وذلك من عبودية العين, والله عز وجل يقول: (إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا) [الإسراء: من الآية36] .
وبعد ذلك استقامة الأذن أيضًا، وهي من أقصر الطرق إلى القلب بعد العين وربما تسبقها عند كثير من الناس، ولذلك تجد السماع المحرم من أعظم ما يُضل الشيطان به الناس, فيعكفون على سماع المعازف المحرمة والأغاني الفاسدة, ليُمنع القلب ويُحرم من استقامته على الصراط كي لا تفيق القلوب بعد لهوها من غفلتها, وكي لا تدرك أفضل ما يمكنها إدراكه بعد استقامتها من حب الله ومعرفته والأنس به والشوق إلى لقائه وإفراده بالخوف والرجاء والتوكل وسائر العبادات، فيمنعهم الشيطان أن يسمعوا كتاب الله عز وجل إلا في حالات الهم والغم والكرب والحزن, وإذا قيل لهم اسمعوا لهذا القرآن قالوا: أنحن في مأتم؟!، فجعلوا القرآن -الذي هو هدى وشفاء لما في الصدور- للمآتم والأحزان لا يذكرهم مفازع الآخرة، ولقد يسره الله للذكر ولكنهم كانوا قد أدمنوا سماع المعازف والألحان المطربة وسماع الأغاني السخيفة السمجة التي تحث على الفساد فحِيل بينهم وبين طعوم الإيمان وملاذه بالذكر الحكيم, وحرمت تلك القلوب ابتغاؤها أن تستقيم.
لماذا يصعب على الإنسان أن يستجيب للحق؟ لماذا لا يتأثر بسماع الموعظة من كتاب الله عز وجل ومن كلام رسوله صلى الله عليه وسلم بل ربما لا يفهما أصلًا؟, قلة الفهم هذه سببها قلة الخير في القلب، كما قال تعالى: (وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ) [الأنفال:23] .
فكثير من الناس لا يفهم، وذلك لندرة الخير في قلبه، فمتى وجدت كلام الله عز وجل وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم صعبًا على الفهوم فاعلم أن الخير قليل في القلوب لأن الله تعالى يقول: (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) [القمر:17] ، يعني هل من متذكر.
ولذلك نقول: أصل الاستقامة استقامة القلب ثم استقامة اللسان والجوارح تؤثر على القلب بغير شك ويدخل إلى القلب منها ما يؤذيه كما قال ابن مسعود رضي الله عنه: (والله الذي لا إله إلا هو إن الغناء لينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل) , ولقد صدق رضي الله عنه عنه ويعني به الغناء المحرم الفاحش المشتمل على العبارات المنكرة والمعاني الفاسدة والمعازف المحرمة، وهذا كلام مجرب، وكلام ناصح عارف لما ينبت النفاق في القلوب.
ومن عجب أن الناس لا يستغنون عن الملاهي والمعازف ليل نهار, فكيف يمكن للقلب أن يستقيم؟ لابد أن يشغل العبد سمعه بذكر الله عز وجل ليستقيم على طاعته سبحانه.. لابد أن ينشغل بسماع القرآن، وسماع الموعظة الحسنة، وسماع دروس العلم حتى ينتفع بذلك ويهتدي إلى سواء السبيل.
وكذلك استقامة باقي الجوارح من: اليد، والرجل، والبطن، والفرج، فإن كلًا منها له أثره في استقامة القلب وصلاحه.
يقول تعالى: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ) فلابد إذًا من المتابعة، وإذا كان الإنسان قد عزم على أن يسير في الطريق فلابد أن يعلم معالمه وحدوده.