(كَمَا أُمِرْتَ) لابد من متابعة الأمر, إذًا لابد أن نتعلم أمر الله تعالى وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم؛ لأن كيفية الاستقامة لا يكفي فيها مجرد العزم حتى نتعلم ما أمرنا به, فلابد أن نسمع أوامر الله بتفهم وتدبر لتعرف ما أمرك به عز وجل, ولابد إذًا من قراءة القرآن، ومعرفة سيرة النبي صلى الله عليه وسلم.. لابد من تعلم العلم لكي نحدِّد حدود الأمر الذي أمرنا به؛ فإن كثيرًا من الناس يريد أن يسلك إلى الله عز وجل ولكنه يخطئ الطريق فيسير في طريق غير الطريق المأمور به، ويبتدع في دين الله، فيرد عليه عمله، كما قال صلى الله عليه وسلم:"من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد"رواه مسلم.
يقول الله عز وجل في هذه الآية: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ) وصف سبحانه المؤمنين هنا بالتائبين، وهو وصف تكرَّر ذكره مع الاستقامة في مواضع، كما في قوله تعالى: (فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ) [فصلت: من الآية6] ، وقال هنا: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ) [هود: من الآية112] ، إذًا لابد من زلات وأخطاء، وليس الشأن في وقوع تلك الأخطاء إنما الشأن في عدم تداركها؛ فإن كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون، وقد علمنا قول النبي صلى الله عليه وسلم:"إن عبدًا أذنب ذنبًا، فقال: رب أذنبت ذنبًا فاغفره لي، فقال الله: علم عبدي أن له ربًا يغفر الذنب ويأخذ به، قد غفرت لعبدي, ثم مكث ما شاء الله ثم أصاب ذنبًا فقال: رب أذنبت ذنبًا فاغفر لي، قال الله: علم عبدي أن له ربًا يغفر الذنب ويأخذ به، قد غفرت لعبدي"ويقول في الثالثة:"قد غفرت لعبدي، فليعمل ما شاء".
فالشأن إذًا أن نكون دائمًا من التائبين كما قال الله تعالى: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون) [النور: من الآية31] ، لم يقل أيها العاصون ولا أيها الفاسقون، وإنما دُعى الأتقياء إلى مقام التوبة: مقام الابتداء ومقام الانتهاء.. مقام لابد أن يصحبك منذ البداية منذ أن تعزم على الاستقامة حتى تصل إلى الجنة إن شاء الله، لابد أن نكون رجَّاعين إلى الله تائبين دائمًا, تحاسب نفسك فتدرك التقصير فتستغفر الله وتتوب إليه, وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:"يا أيها الناس توبوا إلى الله واستغفروه فإني أتوب إلى الله في اليوم مائة مرة"متفق عليه.
وقد أنزل الله عز وجل على نبيه صلى الله عليه وسلم بعد إكمال جهاده في رسالته ودعوته، وبعد أن تحققت الغاية المقصودة من حياته وبعثته، وجاء نصر الله والفتح، ودخل الناس في دين الله أفواجًا، أنزل الله تعالى: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ، وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا، فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا) [النصر:1- 3] .
فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يحتاج إلى الاستغفار ويؤمر به، وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وكان يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده:"سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي", وإذا كان الصحابة يعدون له في المجلس الواحد أكثر من سبعين مرة:"رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم"، وليس استغفاره صلى الله عليه وسلم كاستغفارنا الذي يحتاج إلى استغفار, إنما هو استغفار نابع من شهود حقيقي للتقصير, وتقصيره صلى الله عليه وسلم بمنزلة الحسنات لنا فإن حسنات الأبرار سيئات المقربين.
ثم تأمل قوله صلى الله عليه وسلم:"اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي في أمري وما أنت أعلم به مني، اللهم اغفر لي جدي وهزلي وخطئي وعمدي وكل ذلك عندي، اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر وأنت على كل شيء قدير".
فإذا كان صلى الله عليه وسلم يتوب إلى الله هذه التوبة، ويستغفر هذا الاستغفار، وهو أعلم الخلق بالله وأشدهم له خشية، فما الظن بأحوالنا؟ ربما ظنَّ الواحد منا أنه غاية في الاستقامة وبحر من بحور العلم وقدوة في الدعوة والبذل والجهاد وآية في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر نسأل الله العافية, وهذا كله من الخلل الذي يؤدي بنا إلى أنواع الفشل وأنواع الفساد، لذلك لابد من تحقيق التوبة في هذا المقام؛ لأن الاستضعاف إنما يحصل بالذنوب, ويتسلط الظلمة على المسلمين باقتراف الذنوب ووجود التقصير, فيُستدرك الأمر بالتوبة إلى الله سبحانه وتعالى ولذلك قال المؤمنون: (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِين) [آل عمران: من الآية147] ، وقالوا لما دعوا ربهم ألا يجعلهم فتنة للذين كفروا: (رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [الممتحنة:5] .