واعلم أن الناس الكائدين الماكرين بالمؤمنين كما قال تعالى: (تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى) [الحشر: من الآية14] ، فالكفرة والمنافقون ليل نهار يكيد بعضهم بعضًا، ويكره بعضهم بعضًا؛ فإن المعصية تجر إلى المقت والكراهية، وإن رؤية بعضه لبعض لتشقي بعضهم بعضًا والله عز وجل حَكَمٌ عَدلٌ جعل الخير في طاعته والشر في معصيته، وكما قال عز وجل: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْأِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ) [غافر:10] ، فهم في الحقيقة يمقتون أنفسهم، وتمقتهم الأرض التي يحيون عليها، ويمقتهم الزرع الذي يزرعون، والماء الذي يشربون، والنار التي يورون، ويستريح العباد من الكافر إذا مات، وتستريح البلاد والشجر والدواب، وإذا استراحت الأرض نفسها من نفسه أظهر ذلك أنها كانت تمقته، وما من بغيض إلا والراحة منه تحصل بهلاكه.
وعلى قدر المعصية يكون المقت والكراهية، وتكون البغضاء في القلوب، ثم يكون ذلك الشقاء، وإنما تكون هذه النفرة بمخالفة الفطرة، ذلك بأن الله تعالى حبَّب إلينا الإيمان وزيَّنه في قلوبنا وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان.
فلا تظن أنك وحدك الذي يُكاد بك، بل إنما يكيد بعضهم لبعض أعظم الكيد في مجتمعاتهم المنحرفة وأجوائهم الفاسدة, وكما قال عز وجل: (وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ) [النساء: من الآية104] ، ولكن شرف لك أنت أن يكون ابتلاؤك من أجل طاعتك، وأن تكون السخرية منك من أجل إيمانك: (إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ) [المطففين:29] ، بلاؤهم بأنفسهم أضعاف مضاعفة.. الشقاء في النظر إلى وجوههم.. وأم جريج العابد إذ سخطت دعت على ابنها وقالت:"اللهم لا تمته حتى ينظر في وجوه المومسات"، فمجرد النظر معرة وبلاء.
هذا جريج اتهمته امرأة أنه زنا بها وأولدها غلامًا، فضربه الناس وهدموا صومعته، وقالوا:"زنيت بهذه المرأة؟"، فقال:"دعوني حتى أصلي ركعتين"فصلى ركعتين ثم طعن في بطن الغلام فقال:"يا غلام من أبوك؟"فقال:"أبي الراعي فلان", فجعلوا يقبِّلون يديه ورجليه ويقولون:"نبني لك صومعتك من ذهب", قال:"أعيدوها من طين كما كانت".
فاضطر أن ينظر إلى وجه المرأة المومسة ليبرئ نفسه, واليوم ينظر الرجل ليل نهار إلى وجوه المومسات، وينظر إلى وجوه مَن هو شر منهن من الكفرة والمنافقين.
فمتى صبر العبد على طاعة الله وعلى ما يصيبه في سبيله أثابه الله مثوبة حسنة وأنزله منزلًا كريمًا وأناله شرفًا عظيمًا.. وأما الناس ففي مشقة وتعب، متألمين بغير احتساب، راجعين بغير ثواب، والمؤمن يحتسب المصيبة، ويدخر الثواب، ولذلك يزول عنه ألمها، وتذوب مرارة الصبر في حلاوة الطاعة وطعم الإيمان، فيذهب أثر المصيبة بعيدًا بحيث لا يضر المرء ثم يكون الإحسان.
والإحسان يكون فيما بينك وبين الله ويكون فيما بينك وبين الناس، وأصله الذي بينك وبين الله كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك) ، ولو استحضر العبد هذا المقام، وأقام هذا المقام لما شعر بضغطة البلاء، ولا شدة المحنة؛ فإنه إذا كان مع الله عز وجل أي شيء يضره؟ يعبد الله كأنه يراه، فلو وصل إلى هذه الدرجة من القرب واستحضر معية الله في كل حال لم تَعْنِه الدنيا بأسرها فلا هي التي تفتنه بحسنها ولا هي التي تضره بسوئها.
وهذا نبي الله موسى عليه السلام والبحر أمامه قد تلاطمت أمواجه واشتد غضبه وكثر زبده، ومن ورائه فرعون وجنوده.. ملك كفور متكبر مغرور، وجند كثير، وشر مستطير, ثم أصحابٌ قليلون خائفون وجلون يقولون: (إِنَّا لَمُدْرَكُونَ) [الشعراء: من الآية61] ، فيقول: (كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِين) [الشعراء: من الآية62] .
فهو بما وصل إليه من مقام الإحسان مطمئن غاية الاطمئنان فيضرب بعصاه البحر الكبير لينجو ويغرق الملك المغرور.
وإبراهيم خليل الرحمن عليه السلام عندما ألقي في النار يستحضر معية الله ويقول:"حسبنا الله ونعم الوكيل".
ونبينا صلى الله عليه وسلم وهو في الغار، والمشركون لو نظر أحدهم إلى موضع قدمه لأبصره وصاحبه فيقول لصاحبه: يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما (لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا) [التوبة: من الآية40] .