فهرس الكتاب

الصفحة 4673 من 27345

فاستحضار معية الله عز وجل هو الإحسان، وهؤلاء الذين يرجح الله بهم الكفة هم المحسنون, وربما تجد الواحد منهم بألف ألف من ضعاف الإيمان, وإنما تثقل كفة الصالحين بقلة من المحسنين وكثرة من الأبرار.. ولو كان أولئك الضعاف الإيمان أممًا ليس فيهم من الأبرار والمحسنين لما كانوا إلا غثاء كغثاء السيل وعددًا بلا حول ولا طول إذًا لن ترجح الكفة ولن تَغْلِب الأمة وستعمل فيها الأسلحة الذرية والكيماوية وكثرة العدة والعدد وستغلب هذه الأمة، ولكن متى تثقل الكفة وتَغلب الأمة؟ الجواب: حينما يكون فيهم طائفة من المحسنين وثلة من الأبرار، فينصر الله من ينصره، ويعز من يؤمن به ولا يكفره، ويذل من يكفره ويفجره.

إذًا فما لواجبات الشرعية في هذه المرحلة الحرجة هذه المرحلة التي نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها سورة هود، فإن سورتي هود ويوسف من السور التي نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما مات عمه أبو طالب وماتت زوجته خديجة فتعرض صلى الله عليه وسلم لأذى المشركين, وما كانوا ينالون منه قبل ذلك.

نزلت هذه الآيات مثبتة أوامر واضحة: الاستقامة على الأمر, التوبة, معية الصالحين, عدم مجاوزة الحد بالطغيان, العلم بالله *سبحانه وبأنه مطلع على الأعمال,عدم الميل إلى الظلمة وعدم موالاتهم ومتابعتهم وعدم الرضا بأفعالهم فيفقد العبد ولاية الله التي يفقد بفقدها نصرته سبحانه, وأيضًا الأمر بإقامة الصلاة والصلوات الخمس على الخصوص وفعل الحسنات التي تذهب السيئات وذكر الله عز وجل والصبر، ثم الإحسان.

وهذا المقام الرفيع وهذه الدرجة العالية وهذا مقام الإحسان هو غاية مراد الطالبين ومنتهى قصد السالكين الذي يؤتي ثماره في كل حين، ومن ثماره الإحسان مع الناس بتحمل أذاهم وكف الأذى عنهم، فإن آذوه عفى وصبر وصفح وغفر، وإذا عامل الناس عاملهم بالفضل والإحسان فيعطيهم وإن منعوه، ويصلهم وإن قطعوه، ويمن عليهم وإن حرموه، وإنما يستخلص له ذلك ويصطفى له بأنه كان بالله غنيًا، وبه راضيًا، ومنه قريبًا، ولديه حبيبًا، فصارت الدنيا كجناح بعوضة فَمَنَّ بلا غَضَاضة.

فمن أحسن مع الله أحسن مع الناس ووجد في قلبه سهولة الإحسان إليهم كما قال تعالى: (وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ، وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) [فصلت:34،35] .

فنسأل الله أن يجعلنا من ذوي الحظ العظيم وأن يجعلنا من عباده المحسنين الصابرين.

وكتبه

ياسر برهامي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت