بل في القصة ما يفيد أن ذلك لم يحدث في غيرها حتى في عصر الصحابة ، وإنما أنفذوا الوصية فيها لما احتف بها من قرائن .
وعلى التسليم بعموم الاستدلال بها هل مجرد إنفاذ وصية شخصٍ من الناس لا يتعدى الضرر فيها - لو وجد - هَذا الشخصَ ومالَه وأهلَه وهو ضرر نسبي فيها يتعلق بالوصية .
هل ذلك كمثل الأخذ بالرؤيا لدفع الأمة إلى أمر خطير وتعبئة الناس لعمل لا يسلم من دماء وأموال ؟! .
لا شك أن إلحاق هذا بذاك مما لا يقره لبيب فقيه ، وقد قال الشاطبي - رحمه الله - في هذه القصة:"إنها قضية عين لا تقدح في القواعد الكلية لاحتمالها؛ فلعل الورثة رضوا بذلك" (21) .
وقد يستدل البعض على العمل بالرؤيا بأن النبي صلى الله عليه وسلم جعلها جزءًا من ستة وأربعين جزءًا من النبوة » (22) .
وقد جاءت أحاديث بهذا المعنى وان اختلفت في النسبة ؛ حيث في بعضها كما هنا جزء من ستة وأربعين، وفي بعضها جزء من سبعين (23) وذكر بعضهم في ذلك خمسة عشر لفظًا ، وللعلماء كلام في توجيهها ، ليس هذا موضع بسطه .
أقول: قد يستدل البعض بذلك فيقول: ما دامت الرؤيا جزءًا من النبوة فإن النبوة لا تكذب ، وعلى هذا فهي صادقة ويترتب عليها عمل .
فأقول وبالله التوفيق: إن مما يدل على فساد هذا النظر أنه ينتهي بصاحبه إلى الزيادة على التشريع والله تعالى يقول: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيم) ٌ (24) .
حيث إن المقدمتين المذكورتين وهما كون الرؤيا من الوحي وكون الوحي لا يكذب ، تؤديان إلى هذه النتيجة . فقد يحتج علينا الآخذون بالرؤى في الأحكام الشرعية بهاتين المقدمتين (25) .
وقد يقول قائل:وهل في هاتين المقدمتين شك ؟ .
نقول: إن هذا هو مكمن الخطورة ؛ حيث إن الإطلاق ، وعدم فهم كون الرؤيا جزءًا من النبوة يوقع في الخلل ، وفي هذا يقول الشاطبي - رحمه الله -:"وربما قال بعضهم: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم ، فقال لي: كذا ، وأمرني بكذا ، فيعمل بها ويترك بها، معرضًا عن الحدود الموضوعة في الشريعة ، وهو خطأ لأن الرؤيا من غير الأنبياء لا يحكم بها شرعًا على حال ، إلا أن تعرض على ما في أيدينا من الأحكام الشرعية ، فإن سوَّغتها عمل بمقتضاها ، وإلا وجب تركها ، والإعراض عنها ، وإنما فائدتها البشارة أو النذارة خاصة ، وأما استفادة الأحكام فلا ، فلو رأى في النوم قائلًا يقول: إن فلانا سرق فاقطعه ، أو عالم فأسأله ، أو اعمل بما يقول لك ، أو فلان زنى فحده ، وما أشبه ذلك ، لم يصح له العمل حتى يقول له الشاهد في اليقظة وإلا كان عاملًا بغير شريعة، إذ ليس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وحي ."
ولا يُقالُ: إن الرؤيا من أجزاء النبوة ، فلا ينبغي أن تُهْمَلَ ، وأيضًا إن المخبر في المنام قد يكون النبي صلى الله عليه وسلم وهو قد قال: « مَنْ رَآنِي فِي النَّوْمِ فَقَدْ رَآنِي حَقًَا ، فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلشَّيْطَانِ أَنْ يَتَمَثَّل بِي » فإخباره في النوم كإخباره في اليقظة .
لأنا نقول: إن كانت الرؤيا من أجزاء النبوة فليست إلينا من كمال الوحي ؛ بل جزء من أجزائه ، والجزء لا يقوم مقام الكل في جميع الوجوه ؛ بل إنما يقوم مقامه في بعض الوجوه ، وقد صُرِفَتْ إلى جهة البشارة والنذارة .
وأيضًا ، فإن الرؤيا التي هي جزء من أجزاء النبوة من شرطها أن تكون صالحة من الرجل الصالح ، وحصول الشروط مما ينظر فيه ، قد تتوفر ، وقد لا تتوفر .
وأيضًا فهي منقسمة إلى الحلم وهو من الشيطان ، وإلى حديث النفس ، وقد تكون بسبب هيجان بعض أخلاط ، فمتى تتعين الصالحة حتى يحكم بها وتترك غير الصالحة ؟ ويلزم أيضًا على ذلك أن تكون تجديد وحي بحكم بعد النبي صلى الله عليه وسلم وهو منهي عنه بالإجماع .
يُحكى أن شريك بن عبد الله القاضي دخل على المهديِّ ، فلما رآه قال: « عليَّ بالسيف والنِّطْع ، قال: ولم يا أمير المؤمنين ؟ قال: « رأيت في منامي كأنك تطأ بساطي ، وأنت معرض عني ، قصصت رؤياي على من عبَّرها ، فقال لي: يظهر لك طاعة ، ويضمر معصية ، فقال له شريك: والله ما رؤياك برؤيا إبراهيم الخليل عليه السلام ، ولا أن معبرك بيوسف الصديق عليه السلام ، فبالأحلام الكاذبة تضرب أعناق المؤمنين ؟ فاستحيى المهدي ، وقال: اخرج عني ؛ ثم صرفه وأبعده » ا.هـ