السبب الحادي عشر: من الأسباب للافتراق والتي حدثت بعد القرون الثلاثة الفاضلة، هي دعاوى التجديد في الدين: وقد صح عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [ إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا] أخرجه أبو داود والحاكم، في المستدرك والبيهقي في المعرفة عن أبي هريرة وهو حديث صحيح، راجع صحيح الجامع الصغير رقم [1870] . والمفهوم الحقيقي للتجديد إنما يعني استئناف العمل بالدين: اعتقادًا وعملًا، وإحياء ما اندثر من السنن، وإماتة ما ابتدع من البدع والمحدثات، كما صنع المجددون من أئمة الدين في تاريخ المسلمين إلي يومنا، حيث كانوا يجددون العمل بالسنة، وهدي السلف الصالح في العلم والعمل، وليس التجديد وضع أصول وقواعد ومناهج جديدة للدين، كما يزعم كثير من المفكرين والكتاب، فما بين وقت وآخر يظهر علي المسلمين بلية يدعي صاحبها أنه يريد أن يجدد للناس أمر دينهم وقد يكون هذا المجدد ينسف بتجدده قواعد أهل العلم، وما عليه أهل السنة والجماعة في المناهج والأصول، وهذه الدعاوى التي تدعو إلي الافتراق كثرت في الآونة الأخيرة في مجال الدعوات المعاصرة، وقد كثر الذين يدعون إلي التجديد، وليتهم قصدوا بالتجديد تجديد أمور الحياة والوسائل والأساليب والأسباب، هذا أمر بديهي وهو من سنن الله في خلقه، لكنهم قصدوا بالتجديد تجديد الأصول والمناهج في الدين، وتجديد العلوم وما استقر عند الأئمة في الدين، ومآخذ الفقه في الدين، ومآخذ الأحكام من النصوص وغير ذلك، وهذا أمر خطير ينسف كل ما كان عليه أهل السنة والجماعة من الأصول التي أبقتهم علي هدي النبي صلي الله عليه وسلم، وأصحابه، والتابعين والقرون الفاضلة، وذلك هو غير سبيل المؤمنين، الذي حذرنا الله منه.
السبب الثاني عشر: التساهل في مقاومة ومحاربة مظاهر البدع في المسلمين: بمعني أنه قد تظهر بعض البدع فيغفل عنها الناس، ويتساهلون فيها، ثم تنمو وتزيد وتكثر، وقد تظهر بعض البدع أول أمرها بمظاهر ملبّسة، تظهر علي شكل عادات معينة، فتأخذ تبريرات وأشكال وأسماء أخرى غير أسماء البدع حتى تستقر، ثم تتحول مع مرور الزمن إلي البدع، ثم بعد ذلك ينزع أصحابها إلي الفرقة، أو الافتراق عن الدين، وعن الأمة، وأغلب البدع وبذور الافتراق عن الدين وعن الأمة، وأغلب البدع وبذور الافتراق في التاريخ نشأت بهذا التدرج وهي من حيل الشيطان علي الأمم.
السبب الثالث عشر: كذلك من أسبابه ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لذوي الشأن في الأمة، ووقوع المداهنة في الدين، وعدم قيام طائفة من الأمة في أداء النصيحة ودرء الفساد والافتراق عنها: والمناصحة باب عظيم من أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد، وقوة للخير، وإعذار عند الله، أو دفع للبلاء والنقمة عن الأمة.
وأخيرًا: كيف نتوفي الافتراق؟
لاشك أن توقي الافتراق وسد ذرائعه قبل وقوعه؛ خير من علاجه بعد وقوعه، وتوقي الافتراق يكون بتوقي الأسباب التي ذكرتها، وهناك أمور أخرى تكون سببًا للوقاية من الافتراق، وهي عامة وخاصة:
فمن الأسباب العامة: الاعتصام بالكتاب والسنة، وهذه قاعدة كبرى لا بد أن يندرج تحتها توصيات وأمور كثيرة، وهي الأسباب الخاصة، ومن ذلك:
? معرفة هدي النبي صلي الله عليه وسلم، والتمسك به، ومن فعل هذا سيهتدي إن شاء الله ويكون من دينه علي بصيرة، ومن ثم يبتعد عن الافتراق، أو النزع إلي الفرقة، أو الوقوع فيها وهو لا يشعر.
? السير علي نهج السلف الصالح، الصحابة والتابعين وأئمة الدين أهل السنة والجماعة.
? التفقه في الدين بأخذه عن العلماء، وبطريقته الصحيحة بمنهج أهل العلم.
? الالتفات حول علماء الأمة، الأئمة المهتدين الذين تثق الأمة بدينهم وعلمهم وأمانتهم، وهم بحمد الله كثيرون ولا يمكن أن تفقدهم الأمة، ومن زعم أنهم يفقدون، فقد زعم أن الدين ينتهي، وهذا لا يصح؛ لأن الله تكفل بحفظه إلي قيام الساعة.
? الحذر من التعالي علي العلماء، أو الشذوذ عنهم بأي نوع من أنواع الشذوذ التي تؤدي إلي الفتنة، أو المفارقة.
? ضرورة معالجة مظاهرة الفرقة خاصة عند بعض الأحداث، أو المتعجلين، والذين تخفي عليهم الحكمة في الدعوة، وينقصهم الفقه في الدين والتجارب.
? الحرص علي الجماعة والاجتماع والإصلاح بمعانيها العامة وبأصولها، إذ لا بد أن يحرص كل مسلم وكل طالب علم بالأخص وكل داعية بشكل أخص، علي الجماعة والاجتماع والإصلاح بين الدعاة وأهل الخير، وعلي جمع الكلمة علي البر والتقوى.
? من أراد أن يعتصم بالسنة والجماعة وينجوا إن شاء الله من الافتراق فعليه أن يلازم أهل العلم، ويلازم الصالحين من أهل التقوى والخير والاستقامة، فهم القوم لا يشقي بهم جليسهم، ولا يضل عن الهدى رفيقهم وأنيسهم، ومن أراد بحبوحة الجنة؛ فليزم الجماعة، والجماعة من كان علي ما أن عليه الرسول صلي الله عليه وسلم وأصحابه.