من الذي زرع الأحقاد في القلوب , ومن هو المسؤول عن ذلك ؟! إن الظلم الممتد في التاريخ البشري , الظلم الذي تقوده عصابات الإجرام , هي المسؤولة عن ذلك . إنهم المستكبرون الظالمون المجرمون المعتدون , كما وصفهم الله سبحانه وتعالى في كتابه المبين . إنه الإعلام الإجرامي الذي غرس الحق على الإسلام والمسلمين في قلوب جاهلة قرونًا طويلة , وكأنه كان يعطى للوليد مع الرضاعة .
لم يعرف التاريخ البشري أرحم من الإسلام, ولا أعدل منه , الإسلام الذي غسل القلوب بالإيمان والتوحيد , والذي حدَّد قواعد القتال والجهاد في سبيل الله تحديدًا دقيقًا , حتى يظل الجهاد في سبيل الله شرعا ربانيا ينشر الحق والعدل والأمن في حياة الناس جميعًا , ولا يأخذ إلا الظالمين على ميزان رباني دقيق عادل أمين .
إن الظلم في غياب المنهاج الرباني والشرع الرباني هو أساس الفساد والفتنة والإجرام في الأرض . والظلم هو أساس الشرك بالله , وهو الذي يحرك الأحقاد ويثير الحروب .
وما زالت وسائل الإعلام تردِّد التهديدات على العرب والمسلمين , وتثير الأحقاد والكراهية ضدّهم , وكأن القضاء ما زال في إجازة .
مهما كان هول هذا الحادث , فإنه أهون بكثير من أهوال يوم القيامة , ومن أهوال نار جهنم , لا يصلاها إلا الظالمون ! إلى هناك يجب أن تتَّجه القلوب والأنظار , قلوب الجميع وأنظارهم , لتنمو الخشية من الله , ويحسب لكل خطوة حسابها .
وإذا كان هذا الحادث المروع نذيرًا لهؤلاء وهؤلاء وآية وعبرة لهم , فإنه نذير للمسلمين وآية لهم وعبرة كذلك . بل المسلمون يجب أن يكونوا أول من يعتبر ويقف ويتأمل ! يجب على المسلمين أن يقفوا وقفة طويلة , ليروا كم خالفوا منهاج الله , وكم قصَّروا في جنب الله . يرى المسلمون أنفسهم اليوم في ضعف وذلَّة وهوان , مستهدفين من كثير من الدول , ومعرضين لكثير من أنواع الأخطار والإذلال والعدوان والاجتياح الظالم , وحسبك ما حدث وما يحدث في فلسطين والبوسنة والهرسك وكشمير والشيشان وغيرها . يجب أن يقفوا لينظروا ما كسبته أيديهم من فرقة وتمزق وصراع , مخالفين بذلك أمر الله إليهم . لقد ظلم المسلمون أنفسهم ظلمًا كبيرًا , حين لم يتمسكوا بالكتاب والسنة ,وتفرقوا شيعًا وأحزابًا ومذاهب شتى تتناحر , فتخلفوا علمًا وصناعة وقوة وإعدادًا , وأصبح كل حزب بما لديهم فرحين , فرحة لم تغن عنهم من الله شيئًا , ولم تورثهم إلا المذلة والهوان .
في هذه اللحظات الحرجة , نعيد ما سبق أن نصحنا به طويلًا , نعيد ونؤكد أن علينا أن نحاسب أنفسنا , ونغيِّر ما فيها من انحراف عن الصراط المستقيم , ومن اتباع الهوى , والتقصير الكبير بأداء الأمانة التي نحملها . يجب أن يتذكر المسلمون أنهم حملة رسالة ربانية , أُمِروا بأن ينهضوا ليبلِّغوها إلى الناس كافة ويتعهدونهم عليها , وأن هذه هي جوهر الأمانة التي خُلِقوا للوفاء بها , وجوهر العبادة التي أُمِروا بها , والخلافة التي جُعِلت لهم , والعمارة التي كُلِّفوا بها .
إن هذه الأمانة والعبادة والخلافة والعمارة تفرض على المسلمين أن يتوبوا إلى الله توبة نصوحًا , وأن يعودوا إلى الكتاب والسنة عودة صادقة كريمة:إيمانًا وعلمًا والتزامًا وممارسة في الواقع البشري , في كل شؤون الحياة , ودعوة وبلاغًا وتعهدا , وجهادًا صادقًا واعيًا في سبيل الله , ليكونوا , كما أمرهم الله , صفًا واحدًا كالبنيان المرصوص , قبل أن يؤخذوا بعذاب من الله اليم .
إننا ننصح ونذكر بأن الإسلام حين يرفض الظلم بجميع أشكاله ومن أي جهة كانت , فإنه قد وضع ميزانًا عادلًا أمينًا ليفرق بين الظلم والعدل , حتى لا يختلط الأمر على أحد إلا إذا كان صاحب هوى . وحين يرفض الإسلام الظلم كله , فإنه يرفض الأسلوب الذي تتبعه أمريكا ومن معها في معالجة هذه الحادثة , بإطلاق التهم والأحكام جزافًا دون تثبت ودون تحقيق عادل , وبالتهديد المستمر باستخدام أسلحة الدمار الشامل الذي يُحَرِّمونه ! وإن هذا الأسلوب انعكست آثاره السيئة على المسلمين أولا بالإيذاء والاعتداء , وسينعكس بالسوء على البشرية كلها .
ومهما بلغت أمريكا من قوة باطشة , فإنا نَوَدُّ أن نذكِّرها بأن قوة الله أكبر وبطشه أشد وأخطر , وأنه يمهل ولا يهمل , وأن أخذه أليم شديد:
"وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد" [ هود:102 ]
وأخيرًا فإننا نتساءل: هل سأل الرئيس بوش وحكومته أنفسهم لِمَ كان هذا الهجوم ؟ وما هي بواعثه وأسبابه ؟ وأين جذوره ؟ ومن الذي يرعاها ؟ لعلهم لو سألوا أنفسهم هذا السؤال وفكروا وتدبروا وعرفوا الإجابة الأمينة , لو فعلوا ذلك لوفَّروا على أنفسهم وعلى العالم شيئا كثيرًا !