وأما قولكم فكيف يأمر الحيض وذوات الخدور بالخروج للعيد ليشهدن الخير ودعوة المسلمين ، فكيف لا يشهد المسافر القار الخير في الجمعة ودعوة المسلمين وذكر الله ؟ فالجواب أننا نحاكمكم إلى أنفسكم فالعيد أنما هو مرتان في السنة ومجمعه أكبر مجامع المسلمين بعد مشهد عرفة فشرع لعامة المسلمين شهوده ومنهم المذكورات لقلة دورانه في الحول ، أما الجمعة فإنها تتكرر في السنة نحوًا من خمسين مرة ، وأيضًا العيد لو لم تشهده المرأة فإنه لا بدل له ، والجمعة لها بدل مفروض فلم يستويا.
وأما قولكم لم نعلم أن الصحابة الذين كانوا يقصدون النبي صلى الله عليه وسلم ويفدون إليه أنهم كانوا يتخلفون عن التجميع معه ، فنعم فلعمرو الله لقد كانوا يشهدونها ويحرصون عليها ، فلقد كان نظرهم إليه وسماع كلامه أحب أليهم من آبا ئهم وأمهاتهم والناس أجمعين ، ونحن نشهد الله على ذلك فإنه أحب إلينا من آبائنا وأمهاتنا وأولادنا والناس أجمعين ولو خيرنا بين لقياه عليه الصلاة والسلام وبقاء الأهل و الأولاد والأموال وأهل الأرض كلهم لاخترنا لقياه عليه الصلاة والسلام على ذلك بأبي هو وأمي ، على أن الصحابة رضي الله عنهم كان لزامًا عليهم إذا كانوا معه صلى الله عليه وسلم على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه ، قال تعالى"إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم واستغفر لهم الله إن الله غفور رحيم"النور (آية 62) . وقد فسر الأمر الجامع بشهود الجمعة أو كانوا في زحف ، صح التفسير بذلك عن الزهري وابن جريج كما رواه ابن جرير عنهما واختاره وهذا يعم أصحابه المقيمين والوافدين إليه وقد التزم نظير ذلك بعض أهل العلم في مسألتنا فقالوا: إذا حضر المسافر المسجد الجامع لزمته صلاة الجمعة وقد لام النبي عليه الصلاة والسلام من دخل المسجد ولم يصل وقال: ما منعكما أن تصليا معنا . مع أنهما قد صليا في رحالهما .... وهذه المسالة أخص من المسالة المتنازع فيها.
وأما قولكم إنه يثبت تبعًا مالا يثبت استقلالًا وأن المسافر يأخذ حكم المقيم إن كان ماكثًا نازلا في وجوب إجابة النداء فنحن نسلم بصحة هذه القاعدة ولكننا نقول إن محلها مالم يكن استقل التبع بحكم آخر يمنع إلحاقه بالمتبوع واعتبر هذا بالبهيمة المذكاة إن وجد جنين في بطنها أنه إذا خرج ميتًا فهو كجزء من أجزائها وإن خرج حيًا فلا بد من تذكيته ولا يتبع أمه ، وفي مسألتنا فإن المسافر مستقل بأحكام خاصة تناسب حاله فلا يخرج عنها إلا بدليل ، وإنما يثبت تبعًا هنا أهل مصر ممن لا يسمع النداء ومن كان حوله وحده كثير منهم بفرسخ.
فهذا نهاية إقدام الفريقين وغاية سجال الطائفتين ، وأنا على مذهب جماهير الأمة (8) من عدم الوجوب والإلزام ، نعم يستحب شهودها من غير حرج وانحتام . قال الشاطبي في الموافقات (1/443) : وأما الرابع فكأسباب الرخص هي موانع من الانحتام بمعنى أنه لا حرج على من ترك العزيمة ميلا ً إلى جهة الرخصة كقصر المسافر وفطره وتركه الجمعة وما أشبه ذلك . أ.هـ. والله يهدينا إلى صراطه المستقيم.
وهنا مسائل مهمة أنبه عليها على الإيجاز في ختام هذا البحث.
مسائل مهمة:-
1-السفر يوم الجمعة: الصحيح جواز السفر يوم الجمعة ما لم يؤذن لها وهذا قول جمهور أهل العلم فإذا أذن لها الأذان الذي تليه الخطبة فلا بد من شهودها ، ما لم يتضرر بترك السفر بانقطاعه عن رفقه أو فوات مركوب كما في عصرنا في فوات السفر بالطائرة ونحوها ، وكذلك يجوز له السفر إذا كان سيصلي الجمعة في بلد قريب . انظر المغني (3/247) وزاد المعاد (1/382) وغيرهما. وابن المنذر (4/21) والإنصاف (5/185) .
2-يجوز للمسافر أن يؤم في صلاة الجمعة وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ومذهب الجمهور خلافًا للمشهور من مذهب الحنابلة واختار شيخنا ابن باز رحمه الله ونص عليه في شرح الموطأ عند باب ما جاء في الإمام ينزل بقرية يوم الجمعة في السفر (1/107) ، ونقل أبو حامد الغزالي الإجماع على صحتها خلف المسافر ... حاشية الروض (2/427) .
3-من فاتته الجمعة هل يصلي الظهر في جماعة ؟
الصحيح جواز ذلك بل شرعيته لعموم فضل الجماعة ، وفعله بعض الصحابة . لكن هل يصليها جماعة في الجامع ؟ قال في المغني ( 3/224) "ويكره في المسجد الذي أقيمت فيه الجمعة لأنة يفضي إلى النسبة إلى الرغبة عن الجمعة أو أنه لا يري الصلاة خلف الإمام . أو يعيد الصلاة معه وفيه افتيات على الإمام وربما أفضى إلى فتنه أو ضرر به وبغيره ، وإنما يصليها في منزله ، أو موضع لا تحصل هذه المفسدة بصلاتها فيه". أ.هـ. قلت: وهو كلام محرر متين.