فهرس الكتاب

الصفحة 4909 من 27345

·أن الصحابة في المدينة كانوا يفدون إلى النبي صلى الله عليه وسلم ويشهدون الجمعة ولا يتخلفون عنها وبينوا ذلك فقالوا: - لما كان مسافرًا جادًا به السير كان له الترخص بكامل رخص السفر من القصر والجمع والفطر والتنفل على الدابة ، وإذا نزل في مكان فإن جماعة من أهل العلم يقولون يقصر مع التوقيت إما وجوبًا وإما استحبابًا. ويمنعونه من التنفل على الدابة ومع ترخيصهم له بالفطر والقصر ويقولون إن الفطر والقصر مشروع له في الاقامات التي تتخلل في السفر بخلاف الصلاة على الراحلة فإنه لا يشرع إلا في حالة السير ، ولأن الله علق الفطر والقصر بمسمى السفر بخلاف الصلاة على الراحلة ، فليس فيه لفظ عام بل فيه الفعل الذي لا عموم له ، فهو من جنس الجمع بين الصلاتين الذي يباح للعذر مطلقًا .وقالوا أيضًا: إن نزول المسافر في مصر ومكثه مدة لا تمنع القصر ، فما الذي يخرجه من عموم قوله تعالى"يا أيها الذين أمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع"وهو من الذين آمنوا وهو شاهد يسمع النداء معافى ، فما الذي يحجزه عن شهود هذا الخير وامتناعه من السعي إلى ذكر الله؟ قالوا: وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة العيد بخروج العواتق وذوات الخدور والحيض ليشهدن الخير ودعوة المسلمين ، وأيضًا والجمعة عيد المسلمين في الأسبوع ، وهي عيد بالنص والإجماع ، فلا بد أن يخرج لها من كان بالمصر من الذكور البالغين غير المعذورين والمسافر المستقر غير معذور ، وكيف يأمر النساء بالخروج من خدورهن والحيض ليشهدن العيد ويدع المسافرين فلا يأمرهم بشهود الجمعة ؟ بل أمرهم بشهود الجمعة أولى ، وأيضًا لم نعلم أن الصحابة الذين كانوا يفدون على النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يتخلفون عن الجمعة معه ، وقد أخرج مسلم من طريق سليمان بن المغيرة عن حميد بن هلال قال: قال أبو رفاعة: انتهيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يخطب قال فقلت: يا رسول الله رجل غريب جاء يسأل عن دينه لا يدري ما دينه ؟ قال فأقبل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وترك خطبته حتى انتهى إلي فأتي بكرسي حسبت قوائمه حديدًا قال فقعد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعل يعلمني مما علمه الله ثم أتى خطبته فأتم أخرها"ومسلم أخرجه في أبواب الجمعة (6) وهذا هدي محمد صلى الله عليه وسلم وهدي أصحابه ،وقالوا إن من القواعد المقررة عند علماء الملة أنه يثبت تبعًا مالا يثبت استقلالا ، وهذه قاعدة صحيحة عند جماهير علماء الأمة على اختلاف مذاهبهم وقد اختلفت تعبيراتهم عنها، فعند الحنابلة ما قدمناه من لفظ القاعدة وعند الشافعية يغتفر في التوابع ما لا يغتفر في غيرها ، وعند الأحناف الأصل أنه قد يثبت الشيء تبعا وحكمًا وإن كان قد يبطل قصدا ، وقد ضرب العلماء لهذا القاعدة أمثله كثيرة في العبادات والمعاملات وقد دلت عليها الأدلة الشرعية وجاءت بتقريرها ومسألتنا فرد من أفراد تلك القاعدة:فلما كان المسافر قارًا في البلد ، كان حكمه في إجابة نداء الجمعة حكم المقيمين كما لو صلى المسافر خلف من يتم كان عليه أن يتم تبعا للإمام، كذلك يجب عليهم الجمعة تبعًا للمقيمين،بل شهودهم الجمعة أولى من إتمامهم الصلاة خلف المقيم (7) ."

قال المسقطون: مهلًا مهلًا فقد أجلبتم علينا بخيلكم ورجلكم وقد قلتم فأكثرتم وأحسنتم فأنصفونا فإنا نقول إن الله قد علق أحكامًا كثيرة بمسمى السفر من القصر والفطر والمسح ثلاثًا على الخفين ، والعفو عن الجمعة والاستعاضة عنها بالظهر مقصورة رحمة من الله وتخفيفًا ، وكل ذلك صدقة من الله على عباده فاقبلوا صدقته واكلفوا من الأعمال ما تطيقون فو الله لا يمل الله حتى تملوا وهذه المسامحة والعفو والتخفيف لا يحل رفعها عن عباد الله والاشقاق عليهم إلا بحجه بينه من كتاب الله وسنة نبيه أو أجماع متيقن أو قياس صحيح يجب المصير إليه ، وأين هذا في مسألتنا ؟

فأما قولكم عموم الآية وشمولها للمسافر القار فنحن نمنع ذلك . فكما لم يجب عليه الصوم ولم يدخل في قوله تعالى"فمن شهد منكم الشهر فليصمه"كذلك لم يدخل في عموم آية الجمعة ، وسبب سقوط الصوم عنه السفر بنص الآية قال تعالى"ومن كان مريضًا أو على سفر فعدة من عدة أخر"فكذا في مسألتنا ونحن معنا فهم السلف وجمهورهم فهذا ابن عمر يقول"لا جمعة على مسافر"فهذا عذرهم الذي عذرهم به السلف، وأنتم أبيتم ذلك.!!

وأما قولكم إن المسافر إن مكث بمكان لا يقطع حكم السفر فإنه لا يتنفل على الدابة ما دام نازلًا وتتوصلون بهذا إلى أن أحكام المسافر القار تتبعض! فنعم فلا حاجة له إلى ركوب دابته والتنقل عليها ما دام نازلًا ، وإنما رخص له في حال السير وهكذا ثبتت به السنة . فكان ماذا ؟ !!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت