فهرس الكتاب

الصفحة 4980 من 27345

و عن أوس بن عبد الله الربعي أنّه كان يقول: ( لأن يجاورني القردة و الخنازير في دار ، أحب إليّ من أن يجاورني رجل من أهل الأهواء ) .

[ رواه اللالكائي في شرح أصول الاعتقاد: 1/131 ، و ابن بطة في الإبانة الكبرى: 2/ 467 ] .

و قال عبد الله بن عون: ( لم يكن قومٌ أبغض إلى محمّدٍ من قومٍ أحدثوا في هذا القدر ما أحدثوا ) ، يريد محمد بن سيرين .

[ الشريعة ، للآجري ، ص: 219 ] .

و دُعي أيوب السختياني إلى غسل ميّت ، فخرج مع القوم حتى إذا كشف عن وجهه عرَفه ، فقال: ( أقبِلوا قِبَل صاحبكم ، فلست أغسله ، رأيته يماشي صاحب بدعة ) .

[ رواه ابن بطة في الإبانة الكبرى: 2/ 467 ] .

قلتُ: إن البراءة من أهل الأهواء و البدع ليست قاصرةً على اعتقادٍ قلبيٍ ، أو مقال باللسان ، بل هي منهج حياةٍ له ، معالمه و دلائله .

و من دلائل البراءة من القوم مخالفتهم ، فلا يكون المرء متبرّئًا بحق ما لم يخالف المتبرَّأ منه في نهجه ، و مسلكه .

و أعظم المخالفة للمبتدعة التمسك بالسنّة التي نبذوها ، و اتخذوها وراءهم ظِهريًّا ، قال العلامة البربهاري: ( و من عرف ما ترك أصحاب البدع من السنّة ، و ما فارقوا فيه فتمسك به ، فهو صاحب سنّة ، و صاحب جماعة ، و حقيق أن يتبع ، و أن يُعان ، و أن يحفظ ، و هو ممّن أوصى به رسول الله صلى الله عليه و سلّم ) .

[ شرح السنّة ، للبربهاري ، ص: 107 ] .

و قد كان من مخالفة السلف الصالح للمبتدعة ترك مالا بأس به ، خوفًا مما به بأس ، و كانوا يتحرّزون عن العمل و إن لم يكن به بأس ، خوفًا ممّا به بأس .

[ انظر: الأمر بالاتباع ، للسيوطي ، ص: 25 ] .

قال أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه: ( كنّا نضحي عن النساء و أهلينا ، فلمّا تباهى الناس بذلك تركناها ) .

[ انظر: الحوادث و البدع للطرطوشي ، ص: 25 ] .

فانظر - رحمك الله - كيف تركوا الأضحية عن النساء و الأهلين - و هي سنّة على أقل الأقوال - لمّا أحدث الناس المباهاة بها .

قال الإمام الطرطوشي رحمه الله تعالى: ( اقتحم الصحابة ترك السنّة حذرًا ، أن يضع الناس الأمر على غير وجهه ) .

[ الحوادث و البدع للطرطوشي ، ص: 25 ] .

و من دلائل البراءة من المبتدعة انتقاصهم و احتقارهم و التعرّض لهم بالإهانة و هتك الأستار ، و بيان ما يحذرهم الناس بسببه ، و عدم توقيرهم كي لا يغتر بهم العامة فينزلوهم منزلًا ليسوا أهلًا له .

لذلك كان أئمة السلف يحتقرون المبتدعة ، و يهينونهم ، و حكى الإمام الصابوني أنّ أهل السنة اتفقوا على القول بقهر أهل البدع و إذلالهم و إخزائهم و إبعادهم و إقصائهم و التباعد منهم و عن صحبتهم و عن مجادلتهم ، و التقرّب إلى الله ببغضهم و مهاجرتهم ) .

[ عقيدة السلف أصحاب الحديث ، للصابوني ، ص: 130 ] .

و من علم وجه تحقير المبتدعة و عدم توقيرهم و عظم ما يستلزمه عدّه من الواجبات ، قال الإمام الشاطبي رحمه الله في تعظيم صاحب البدعة و المشي إليه:( إن المشي إليه و التوقير له تعظيم له لأجل بدعته ، و قد علمنا أن الشرع يأمر بزجره و إهانته و إذلاله ، بما هو أشد من هذا ، كالضرب و القتل ، فصار توقيره صدودًا عن العمل بشرع الإسلام ، و إقبالًا على ما يضاده و ينافيه ، و الإسلام لا ينهدم إلا بترك العمل به و الإيمان بما ينافيه ، و أيضًا فإن توقي صاحب البدعة مظنّة لمفسدتين تعودان بالهدم على الإسلام:

إحداهما: التفات العامّة و الجهّال إلى ذلك التوقير ، فيعتقدون في المبتدع أنّه أفضل الناس ، و أن ما هو عليه خيرٌ ممّا هو عليه غيره ، فيؤدي ذلك إلى اتباعه على بدعته ، دون اتباع أهل السنّة على سنّتهم .

و الثانية: أنّه إذا وُقّر من أجل بدعته صار ذلك كالحادي المحرض له على إنشاء الابتداع في كلّ شيء ، و على كلٍّ حال ، فتحيا البدع ، و تموت السنن ، و هو هدم الإسلام ).

[ الاعتصام ، للشاطبي: 1/114 ] .

و لذلك قال إبراهيم بن ميسرة: ( من وقر صاحب بدعة ، فقد أعان على هدم الإسلام ) .

[ رواه اللالكائي ، برقم 273 . و نسبه أبو شامة في الباعث ، ص: 17 ، و السيوطي في الأمر بالاتباع ، ص: 18 إلى محمد بن أسلم ، و الشاطبي في الاعتصام: 1/113 إلى هشام بن عروة ، و رواه الذهبي في الميزان مرفوعًا عن ابن عبّاس بإسناد فيه بهلول بن عبيد الكندي الكوفي ، و هو ضعيفٌ ذاهب الحديث ، راجع الميزان: 1/355 ] .

و قال سفيان الثوري رحمه الله: ( من سمع مبتدعًا لم ينفعه الله بما سمع ، و من صافحه فقد نقض الإسلام عروةً عروةً ) .

[ الأمر بالاتباع ، للسيوطي ، ص: 19 ] .

و من هذا المنطلق قال طاووس لمّّا رأى مَعبد الجهني يطوف بالبيت: ( هذا معبد فأهينوه ) .

[ رواه اللالكائي: 1/114 ] .

فلا توقير ، و لا مصافحة ، بل يهان المبتدع ، و لو كان في أقدس الأماكن ، و لو تحت أستار الكعبة ، فما أعظم جريرته !!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت