فهرس الكتاب

الصفحة 4981 من 27345

و لو تبرّأ أهل السنة من المبتدعة و أعرضوا عن توقيرهم و احترامهم لخنس هؤلاء ، و صار حالهم كحال بني إسرائيل إذ ( ضربت عليهم الذلّة و المسكنة ) .

قال الإمام الشاطبي رحمه الله: ( كل من ابتدع في دين الله فهو ذليل حقير بسبب بدعته ، و إن ظهر لبادئ الأمر في عزّه و جبروته ، فهم في أنفسهم أذلاء ، ألا ترى أحوال المبتدعة في زمان التابعين ، و فيما بعد ذلك ؟! حتى تلبسوا بالسلاطين و لاذوا بأهل الأرض ، و من لم يقدر على ذلك استخفى ببدعته ، و هرب بها عن مخالطة الجمهور ) ,

[ الاعتصام ، للشاطبي: 1/126 ] .

و لمّا تبرأ الخيار من أهل البدع و دعاتها ضنوا عليهم بالسلام و المجالسة و التوقير ، و كلّ حقوق المسلم ، بل ذهبوا أبعد من ذلك فتبرأوا من علومهم ، حتى لم يكونوا يعلّمونهم أو يتعلّمون منهم خشية تسلل شبهاتهم و أهوائهم إلى من سواهم .

و خشية من هذه المفسدة ، و درءًا لها أعرض السلف عن علوم المبتدعة ، و لم يأتمنوهم على شيء من دين الله ، و هذا ما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بقوله: ( إنّ الدعاة إلى البدع لا تقبل شهادتهم ، و لا يصلى خلفهم ، و لا يؤخذ عنهم العلم ) .

[ مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية: 28/205 ] .

قال يوسف ابن أسباط: ( ما أبالي سألتُ صاحب بدعة عن ديني ، أو زنيت ) .

[ الإبانة الكبرى ، لابن بطة: 2/459 ] .

و عن سلام بن أبي مطيع أن رجلًا من أصحاب الأهواء قال لأيوب السختياني: ( يا أبا بكر ! أسألك عن كلمة ) ؟ قال أيوب - و جعل يشير بإصبعه -: ( و لا نصف كلمة ، و لا نصف كلمة ) .

[ الإبانة الكبرى ، لابن بطة: 2/447 ، و شرح السنّة ، للبغوي: 1/227 ] .

و عن أسماء - جدة سعيد بن عامر - قالت: دخل رجلان من أهل الأهواء على محمد بن سيرين فقالا: يا أبا بكر: نحدثك بحديث ؟ قال: ( لا ) .

قالا: فنقرأ عليك آية من كتاب الله ؟

قال: ( لا ، لتقومان عنّي أو لأقومنّ ) .

[ الإبانة الكبرى ، لابن بطة: 2/446 ] .

و لمّا كانت شبه القوم و ضلالاتهم و أقوالهم الفاسدة مبثوثة في كتبهم حتى تكاد تغص بها ، و تفيض من بطونها ، تبرّأ سلفنا من كتب أهل البدع ، فذمّوها و نفّروا منها .

قال ابن قدامة: ( كان السلف ينهون عن مجالسة أهل البدع ، و النظر في كتبهم ) .

[ الآداب الشرعيّة ، لابن مفلح: 11/232 ] .

و قال العلاّمة ابن القيّم:( لا ضمان في تحريق الكتب المضلّة و إتلافها . قال محمد بن نصر المروزي: قلت لأحمد: استعرت كتابًا فيه أشياء رديئة أترى أن أخرقه أو أحرقه ؟

قال: نعم ! فأحرقه ، و قد رأى النبي صلى الله عليه و سلّم بيد عمر كتابًا اكتتبه من التوراة ، و أعجبه موافقته للقرآن ، فتمعر وجه رسول الله صلى الله عليه و سلّم ، حتى ذهب به عمر إلى التنور فألقاه فيه ... و كلّ الكتب المتضمنة لمخالفة السنّة غير مأذون فيها ، بل مأذون في محقها و إتلافها ، و ما على الأمّة أضرّ منها ، و قد حرّق الصحابة جميع المصاحف المخالفة لمصحف عثمان لِما خافوا على الأمّة من الاختلاف ، فكيف لو رأوا هذه الكتب التي أوقعت الخلاف و التفرّق بين الأمّة ؟! ).

[ الطرق الحكميّة في السياسة الشرعيّة ، لابن قيّم الجوزيّة ، ص: 275 ] .

فانظر - رحمك الله - كيف أنّ البراءة من البدعة و المبتدعة استلزمت التبرؤ حتى من علومهم و كتبهم ، لما بث فيها من السموم و الضلال .

و لكي نكون منصفين في مذهبنا إلى البراءة من أهل الأهواء و البدع لا بد من ضبط ذلك بضابط على قدر من الأهميّة و هو:

وجوب العدل و الإنصاف في الحكم على المبتدعة

أمرنا الله تعالى بلزوم العدل مع الخصوم و المخالفين ، فقال: ( يا أيّها الذين آمنوا كونوا قوّامين لله شهداء بالقسط و لا يجرمنّكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى ) [ المائدة: 8 ] .

و إذا كنّا عادلين في باب البراءة من المبتدعة و بغضهم و مباينتهم ، فلا بد أن يكون ذلك بحسب البدعة المتَلبَّس بها ، مع موالاتهم و محبتهم لما فيهم من الخير و البر من جهات أخرى ، هذا في حال كون البدعة غير مكفّرة ، و غير منافيةٍ لأصول أهل السنّة و الجماعة المتفق عليها ، فيكون ( الحب و البغض بحسب ما فيهم من خصال الخير و الشر ، فإنّ العبد يجتمع فيه سبب الولاية و سبب العداوة ، و الحب و البغض ، فيكون محبوبًا من وجه ، و مبغوضًا من وجه ، و الحكم للغالب ) .

[ شرح العقيدة الطحاويّة ، لابن أبي العز الحنفي ، ص: 434 ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت