ومن تعبيرات القرآن عن الغير بالنفس قوله ـ تعالى ـ: (( لَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ المُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا ) ) [النور: 12] .
المراد بأنفسهم هنا إخوانهم في الدين والعقيدة؛ فهلاّ وقت أن سمعتم حديث الإفك هذا ظننتم بأنفسكم أي بإخوانكم وأخواتكم ظنًا حسنًا جميلًا؛ إذ لا يظن المرء بنفسه السوء، وفي هذا التعبير عن إخوانهم وأخواتهم في العقيدة بأنفسهم أسمى ألوان الدعوة إلى غرس روح المحبة والمودة والإخاء والإحساس الصادق، حتى لكأن الذي يظن السوء بغيره إنما يظنه بنفسه (11) .
قال الرّازي: (فجعل الله المؤمنين كالنفس الواحدة فيما يجري عليها من الأمور، فإذا جرى على أحدهم مكروه فكأنه جرى على جميعهم) (12) .
فهذا الأسلوب القرآني وهذا الخطاب الرباني يؤكد معنى وحدة الأمة ويحدث في النفس أثرًا وإحساسًا يبعثها على الامتثال؛ فالطالب الذي يربى على هذه المعاني وهذه الدقائق القرآنية، لا شك أنها تؤثر فيه وتغرس فيه هذا الإحساس وهذا الشعور.
ومن تدبر هذا الأسلوب القرآني علم أنه لا قوام لهذه الأمة إلا بمثل هذا الشعور وهذا الإحساس، وشعور كل فرد من أفرادها بأن نفسه نفس الآخرين، ودمه دم الآخرين، وظن السوء بهم ظن بنفسه، والسلام عليهم سلام على نفسه، وعيبهم عيب لنفسه.
لا فرق في المحافظة على الروح التي تجول في بدنه والدم الذي يجري في عروقه، وبين الأرواح والدماء التي يحيا بها إخوانه: (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ) ) [النساء: 1] . وقال صلى الله عليه وسلم: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتواصلهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) . وكل هذه المعاني وإن كانت كامنة في القرآن فإن التفسير يكشفها ويجليها.
إن الاشتغال بفهم القرآن والتفقه فيه يكون سببًا للطمأنينة والسكينة ويحصل لصاحبه عز الدنيا وسعادة الآخرة؛ كما أخبر بذلك المعلم الأول صلى الله عليه وسلم: (وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وذكرهم الله فيمن عنده) (13) .
وقد دلت التجارب العملية على ذلك؛ فهذا الرازي ينقل لنا تجاربه فيقول: (وأنا نقلت أنواعًا من العلوم النقلية والعقلية فلم يحصل لي بسبب شيء من العلوم من أنواع السعادات في الدين والدنيا مثل ما حصل بسبب خدمة هذا العلم) (14) يعني تفسير القرآن.
وقد نقل هذا النص رشيد رضا، ثم قال مبينًا كلامه: (أي: علم القرآن بتفسيره؛ فليعتبر بهذا من يضيعون جل أوقاتهم في طلب العلم الديني بعلوم الكلام وغيرها، ويرجعوا إلى كتاب الله، ويطلبوا السعادة من فيضه دون غيره. ونسأل الله ـ تعالى ـ أن يوفقنا إلى تفسيره) (15) .
ونقله الشيخ الطاهر بن عاشور في تحريره (16) ، ومصداق ذلك في كتاب الله: (( وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ ) ) [الأنعام: 155] .
وقد أدرك هذه السعادة الغامرة الإمام القرطبي فعزم واستفرغ قوته ورأى أن يشتغل بالتفسير مدى العمر ـ رحمه الله تعالى ـ (17) .
وإن بعض العلماء الذين برزوا في الدعوة إلى الله، وقاموا بنهضة شاملة وإصلاح عامّ اعتمدوا في دعوتهم ـ بعد الله ـ على دروس التفسير، فأثمرت دعوتهم ونالت قبولًا، وأقبل عليها الناس من جميع الأصناف والطبقات، وأحدثت دعوتهم تغييرًا إصلاحيًا في العقيدة والسلوك، وانتشرت في الشرق والغرب.
وإذا أردنا أن نتجول مع هذا الأثر الحميد فسنجد من بين هؤلاء المبرّزين الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي ت 1376هـ. وقد اعتمد في دعوته في نشر التوحيد والإصلاح في ربوع نجد على تفسير القرآن الكريم، فكان ذا عناية فائقة بالتفسير وفنونه وبرع فيه؛ فألف ثلاثة كتب في التفسير وحده: (تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان) ، و (تيسير اللطيف المنان في خلاصة القرآن) ، و (القواعد الحسان لتفسير القرآن) (18) .
وإذا انتقلنا غربًا إلى مصر فإننا نجد محمد عبده يعتمد في دروسه على التفسير (19) ، فقد ألح عليه تلميذه رشيد رضا أن يلقي دروسًا في التفسير، ويعلل لذلك بقوله: (إن الكلام المسموع يؤثر في النفس أكثر مما يؤثر الكلام المقروء) ثم واصل بعده رشيد رضا إلى أن حان أجله دون إكمال التفسير ـ رحم الله الجميع ـ.