فهرس الكتاب

الصفحة 500 من 27345

وإذا انتقلنا إلى تونس غربًا وجدنا الإمام الطاهر بن عاشور يتأثر بمدرسة رشيد رضا في التفسير، وألف تفسيرًا كاملًا سماه: (التحرير والتنوير) ، فحرر الناس من الجهل والظلمات ونوّر به البلاد التونسية. وإذا انتقلنا قليلًا إلى الغرب في الجزائر فإننا نجد الإمام الشيخ عبد الحميد بن باديس قد اقتصر عليه في دعوته الإصلاحية الشاملة ابتداءً بتحقيق التوحيد وحقوقه إلى محاربة الاستعمار؛ فقد عكف على تفسير القرآن إلى أن ختمه في ثلاث وعشرين سنة على مدة التنزيل ولم يختم التفسير رواية ودراية في الجزائر غيره منذ أن ختمه أبو عبد الله الشريف التلمساني في المائة الثامنة فتعلم الناس منه كلّ شيء (20) .

وإذا عرّجنا جنوبًا إلى بلاد شنقيط وجدنا الإمام محمد الأمين الشنقيطي يفسر القرآن بالقرآن ويسميه: (أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن) .

فهؤلاء الأئمة ـ رحمهم الله ـ كانوا مجاهدين بالقرآن: بتفسيره وبيانه والتفقه فيه، وقد سمّى القرآن ذلك جهادًا كبيرًا فقال: (( وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا ) ) [الفرقان: 52] أي بالقرآن كما ذكره ابن عباس، وفي هذا منقبة عظيمة لمن يدعو إلى الله ـ تعالى ـ بالقرآن العظيم وتفسيره وتوضيحه للناس فهو مجاهد (21) اقتداءً بالمصطفى صلى الله عليه وسلم؛ حيث أمره الله أن ينذر قومه بالوحي: (( قُلْ إنَّمَا أُنذِرُكُم بِالْوَحْيِ ) ) [الأنبياء: 45] وقال: (( وَأُوحِيَ إلَيَّ هَذَا القُرْآنُ لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ ) ) [الأنعام: 19] فكل من أنذر الناس بغير هذا الوحي فهو مخطئ.

من ثمرات التفسير:

من أهم ما يثمره تفسير القرآن والتفقه فيه في شخصية الطالب التخلص من التعصب والتقليد، بل إذا ابتدأ الطلب بعد حفظ القرآن بعلم تفسيره وبيانه كما رتبه الله في قوله: (( يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ ) )لم يجد هذا الهاجس إلى نفسه سبيلًا، وينتفي. وما وُجِدَ التعصب والتقليد إلا بمخالفة المنهج الذي رسمه القرآن في التعليم، وهو التلاوة والتفسير والحكمة والتزكية؛ كما جاء في قوله ـ تعالى ـ: (( رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ) ) [البقرة: 129] .

فبمخالفتنا لمنهج التربية والتعليم كما رسمه القرآن الكريم نعلّم الطلاب التعصب والتقليد من حيث لا ندري؛ ولذلك نجد كتب التفسير تختلف اختلافًا كبيرًا؛ نظرًا لكون أصحابها دخلوا باب التفسير بعدما تشبعوا بأفكار ومذاهب ظهرت آثارها في تفسيرهم، في حين أن الذي دخل إلى التفسير كما دخله الصحابة والتابعون ومن تبعهم واقتفى آثارهم ظهرت آثار التفسير فيهم؛ فالسلف تأثروا بتفسير القرآن، وأثّر التفسير فيهم، والخلف أثروا في التفسير، ولم يتأثروا به.

فظاهرة التعصب والتقليد لا تُمحى إلا بتفسير القرآن وفهمه والتفقه فيه؛ لأن النظر في القرآن نفسه وفي ألفاظه بالذات يجعل الطالب يأخذ الحكم الذي تدل عليه الآية دلالة قطعية أو الحكم الأقرب إلى نص الآية إن اختلفت فيها أنظار العلماء. وفي دروس التفسير والتفقه في القرآن يتعلم الطالب الاستقلال في الأخذ والترجيح، وعدم التبعية والتقليد.

ومما يدل على استقلال شخصية طالب علم التفسير والتفقه في القرآن ما لاحظته عند ابن العربي مع أنه كثيرًا ما يتعصب لمذهبه ويحمل على المخالفين، إلا أن أسلوب القرآن وروعة بيانه أرغمه في بعض المواضع من كتابه: (أحكام القرآن) على عدم التعصب وعلى ترجيح مذهب المخالفين لمذهبه مبينًا الوجه والسبب، فقال عند قوله ـ تعالى ـ: (( كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ ) ) [الأنعام: 141] قال: قال أبو حنيفة: (تجب الزكاة في كل ما تنبته الأرض من المأكولات) ثم تعرّض لذكر بقية المذاهب وصرح بما يخالف مذهبه فقال: (أما أبو حنيفة فجعل الآية مرآته فأبصر الحق) (22) .

قال القرطبي: (وأخذ يعضد مذهب الحنفي ويقويه) (23) .

هذا هو حال من يطلب فقه القرآن لا فقه الفقه، وهكذا حال كل من يجعل القرآن مرآته؛ فإنه يبصر الحق كما أبصره الإمام أبو حنيفة وابن العربي ـ رحم الله الجميع ـ فما أحوجنا اليوم إلى أن نجعل القرآن مرآتنا لنبصر الحق والهدى والرشاد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت