فهرس الكتاب

الصفحة 501 من 27345

والطالب الذي يتعلم على هذا النمط في التفسير والتفقه في القرآن تكتسب شخصيته اتزانًا واعتدالًا وتكاملًا ولا ينحاز ولا يميل؛ لأن المصدر الذي يتلقى منه علومه واحدٌ، فلا يطغى عليه جانب دون جانب؛ فهو عند آيات الأسماء والصفات يتعلم أسماء الله وصفاته بلا تعطيل ولا تمثيل، وإذا جاء إلى آيات الجهاد تعلم وتفقه في أحكام الجهاد، وإذا جاء إلى آيات الأحكام تعلم الفقه والأحكام الشرعية، وإذا مر على آيات الفرائض تعلم ذلك، ولا شك، وإذا مر على البر والإحسان تعلم ذلك، وتطبع به وعمل به، وإذا مر على الآيات التي يذكر فيها أخبار الأمم السابقة وأحوالهم وما آل إليه أمرهم اعتبر بذلك واتعظ، وتعلم قصص الأنبياء والرسل وما لاقوه في سبيل الدعوة إلى الله ـ عز وجل ـ وعلم طرق الدعوة ووسائلها وأهدافها.

وإذا مر على الآيات التي تدعو إلى التفكر والتأمل والاعتبار لمخلوقات الله الكونية تعلم طرق التدبر والتفكر، فتنمو فيه ملكة التفكير السليم والنظر السدىد والتصور الصحيح، فينعكس ذلك على سلوكه؛ لأن سلوك الإنسان في الحياة مرتبط بتفكيره ارتباطًا وثيقًا: يستقيم باستقامته، ويعوج باعوجاجه، ويثمر بإثماره، ويعقم بعقمه، وأفعالُه ناشئة عن اعتقاداته، وأقواله إعراب عن تلك الاعتقادات.

ومن جهة أخرى؛ فإن الطالب الذي يتفقه في القرآن يمر على جميع الآيات القرآنية فيتكامل الموضوع لديه؛ لأن موضوع الآيات ومقاصدها ليست منسوقة في موضع واحد، وليست الآيات في سياق واحد؛ فتجد أن الآية أو الآيات مفصولة عن الأولى بجملة من الآيات، وهي في الموضوع نفسه، وقد تكون ناسخة، وقد تكون منسوخة، وقد تكون بيانًا وتفسيرًا، وقد تكون قيدًا، وقد تكون إجابة عن شبهة؛ والأمثلة على هذا النمط كثيرة، منها قوله ـ تعالى ـ: (( قُلْ إنَّمَا أَنَا مُنذِرٌ ) ) [ص: 65] هي جواب لقول كفار قريش في صدر السورة: (( وَقَالَ الكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ ) ) [ص: 4] ، وقوله ـ عز وجل ـ في آخر السورة: (( وَمَا مِنْ إلَهٍ إلاَّ اللَّهُ الوَاحِدُ القَهَّارُ(65) رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا العَزِيزُ الغَفَّارُ )) [ص: 65، 66] ، هي جواب لقولهم في صدر السورة: (( أَجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا وَاحِدًا ) ) [ص: 5] ، وقوله ـ جل وعلا ـ في آخر السورة: (( قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ(67) أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ )) [ص: 67، 68] ، هو جواب وتفنيد لقولهم في صدر السورة: (( مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي المِلَّةِ الآخِرَةِ إنْ هَذَا إلاَّ اخْتِلاقٌ ) ) [ص: 7] ، هذا ما وقع في السورة الواحدة نفسها، وبين إثارة الشبهة والجواب عنها أكثر من ستين آية.

أما ما وقع الجواب عنه في غير السورة التي وردت فيها الشبهة فكثير، ومنه قوله ـ تعالى ـ: (( ن) وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (1) مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ )) [القلم: 1، 2] ، وقوله ـ تعالى ـ: (( وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ ) ) [التكوير: 22] ، فمثل هذه الآيات أجوبة تفند زعمهم الباطل كما حكاه القرآن: (( يَا أَيُّهَا الَذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ ) ) [الحجر: 6] .

وإذا كان الأمر كذلك؛ فإن القرآن كالسورة الواحدة، وحينئذ يتكامل الموضوع لدى الطالب ويؤثر في بنائه العلمي والنفسي. والله أعلم.

التفسير ووحدة المسلمين:

ومن أهم ما يثمره الاشتغال بالتفقه في القرآن وعلومه وتفسيره الوحدة بين جميع المسلمين: وحدة في الإحساس والشعور، ووحدة في الوجدان والتفكير، ووحدة في السلوك والعمل، فتتقارب النفوس وتستقيم وتتحد نوازعها ومشاربها وتصوراتها لصدورها عن أصل واحد ونبع واحد وهو التفقه في القرآن وعلومه فيزدادون صلة وودًا ومحبة.

التفسير وبناء الشخصية السّويّة:

ولذلك كان أهل القرون الفاضلة إخوة متماسكين، ولم يكن بينهم هذا التباعد وهذا الجفاء وهذا الانفصال الذي نراه اليوم بين طلبة العلم من جهة وبينهم وبين أساتذتهم من جهة أخرى.

تفسير القرآن وفهمه يساهم مساهمة فعالة ترى آثارها بادية في بناء الشخصية السوية المعتدلة؛ لأن القرآن يتضمن علومًا كثيرة ومنوعة ومكررة بمختلف الأساليب، وكل واحد منها يغذي جانبًا من جوانب الشخصية مع المحافظة على التوازن والتكامل؛ لأن نظرة القرآن الكريم إلى الإنسان نظرة شاملة تغطي جميع مجالات حياة الإنسان.

ولما كانت الوسطية من مزايا هذه الأمة حث عليها الشرع، وقررها القرآن (( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ) ) [البقرة: 143] وكان لتفسير القرآن وفهمه والتفقه فيه أثر قوي لا ينكر في تحقيق صفة اعتدال الشخصية واتزانها.

وقد تُحْدث دراسةُ العلوم الإسلامية المفصولة عن القرآن الكريم انفصالًا في بعض جوانب الشخصية؛ فقد يتعلق بعضهم بالفقه فقط، والآخر بالحديث، وبعضهم بالعقيدة، ولكن هذه العلوم هي بعض مما تضمنه القرآن وهي جزء من التفسير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت