فهرس الكتاب

الصفحة 506 من 27345

وإذ تبدو أن وسيلة الهاتف النقال تشبه إلى حد كبير الوسائل الأخرى المتأخرة مثل الرسالة، إلا أنها تختلف عنها في طريقة وهيئة مباشرة الطلاق، وكيفية وصوله للزوجة، فهو طريقة غريبة أو بالأحرى ساخرة في إيقاع الطلاق، فإنه نوع من أنواع إهانة مشاعر الزوجة (مهما كانت المشاكل بينها وبين مطلقها) ، ومنه الاستهزاء بتعاليم هذا الدين الذي أباح الطلاق ولكنه (أبغض الحلال إلى الله) .

ألم يقل المولى تبارك وتعالى: {فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان} (البقرة:229) ؟

فأين يكمن الإحسان في رسالة مسجلة بالهاتف تنزل كالصاعقة على المرأة ؟

وهنا سؤال جوهري يحتاج لإجابة وافية:

ما الداعي أصالة لهذه الوسيلة إذا ما اقتضى الأمر استدعاء الزوج لدى القاضي وتأكيد هذه الواقعة- كما سنرى في الواقعة التالية؟

وكما جاء عند د/محمد عقلة الذي قال:"إيقاع الطلاق من خلال الوسائل الحديثة كالهاتف والبرقية والتلكس والكاسيت يعتمد على اللفظ أو الكتابة، ومن يقع بها الطلاق إذا سمعت المرأة صوت زوجها، وتيقنت من أنه هو المتحدث، أو قرأت برقيته وتأكدت أنه هو المرسل. ولكن في مثل هذه الحالات على الرجل أن يشهد على طلاقه، ويسجله في المحكمة، ويبلغه رسميا للمطلقة بالبريد المسجل، أو عن طريق السفارة ليتخذ صفة القطع وعدم تطرق الاحتمال إليه" (6) .

فهل المثول بين يدي القاضي واعتراف الزوج بأنه أرسل الرسالة يعتبر هو الطلاق الصحيح وليس الأول (المسجل في الهاتف) ؟ ومعنى هذا أن الأول ملغى في نظر المحكمة إلا إذا تأكد من صحته؟ والمعروف أن الطلاق لا يقع فيه الإشهاد.

وهذه المسائل قد حدثت في الواقعة التالية:

في يوم الخميس 31-7-2003 قضت محكمة الشريعة الابتدائية في شرق جومباك بمدينة (سلانجور) ، بماليزيا بأن"الطلاق عبر رسائل المحمول يعتبر نافذا بشرط تحقق المحكمة من حدوثه".

وحكم القاضي بالمحكمة ذاتها"محمد فاؤزي إسماعيل"بأن زواج"أزيدة فاظلينا عبد اللطيف"من"شمس لطيف"قد بطل عندما أرسل هذا الأخير إليها رسالة عبر النقال قال فيها:"إذا لم تغادري منزل والديك فأنت طالق".

الحديث بالهاتف النقال وإيقاع لفظ الطلاق:

إذا كان الطلاق عادة يحدث والزوجان في حالة غضب فإن استخدام هذه الوسيلة يظهر أن الرجل يستخدم حقه في التطليق وهو في كامل وعيه، ويمكن بذلك تسمية هذا الطلاق بالطلاق الهادئ بدلا من الطلاق الصريح، فهو طلاق القصد فيه كامل ومتحقق ومتيقن منه.

واللفظ الصريح كأن يقول الرجل لزوجته: أنت طالق، فهو لفظ لا يحتمل غيره.

وأما لفظ الكناية: فهو اللفظ الذي يحتمل الطلاق وغيره، مثل قوله: أنت خلية، أنت حرة، اذهبي إلى بيت أهلك... وما أشبه ذلك فلا تقبل إلا بنية التطليق.

أما في حالة طلاق الهاتف النقال فإن الزوج لا يتلفظ بالطلاق وإنما يكتبه ثم يقوم بارساله إلى زوجته، وهذه العملية لا يمكن أن تتم والزوج غير قاصد أو غافل عما يفعل؛ إذن الطلاق صر يح مقصود والباعث فيه واضح.

وقد استعمل فيه وسيلتين من وسائل إيقاع الطلاق وهما: وسيلة الكتابة، ووسيلة الإرسال.

وهذه أحد جوانب الموضوع، أما الجانب الثاني فهو مسألة الإشهاد، كما يأتي.

الطلاق بالهاتف النقال وحكم الإشهاد:

قال ابن عبد البر"الإشهاد على الطلاق ليس بواجب فرضا عند جمهور أهل العلم، ولكنه ندب وإرشاد واحتياط للمطلق كالإشهاد على البيع" (7) .

إذن الأصل أن الطلاق يصح من غير إشهاد، وإنما يُندب الإشهاد عليه احتياطا. وهو الأمر الذي تمت مناقشته في قضيتنا المطروحة أمام المحاكم، إذ أن القاضي - الذي بتَّ في الواقعة وغيره من القضاة كما سيأتي ذكره - طلب مثول الزوجين أمام المحكمة وتأكيد واقعة الطلاق!

فهل يمكن القول إن الإشهاد في هذه الحالات لم يصبح حكمه مجرد الندب بل الوجوب لأن المعلوم أن حكم القاضي يعتبر ملزما؟

وأصبح الإشهاد واجبا في هذا العصر الذي تعددت فيه وسائل الطلاق بعد أن كان لا يقع إلا بالألفاظ، للاحتياط والتأكد من أن الزوج هو مُوقع الطلاق، ولم يقم أحد غيره بذلك زورا وبهتانا.

آراء وأقوال:

*موقف المحاكم الشرعية:

كانت محكمة الشريعة لمنطقة قومباك قد أكدت مؤخرا على صحة الطلاق عن طريق رسائل النقال؛ ففي يوم الخميس 31-7-2003 قضت محكمة الشريعة الابتدائية في شرق جومباك بماليزيا بأن"الطلاق عبر رسائل المحمول يعتبر نافذا بشرط تحقق المحكمة من حدوثه".

وحكم القاضي بالمحكمة ذاتها"محمد فاؤزي إسماعيل"بمقتضى ذلك كما سبق.

غير أن القاضي داتو زهدي طه- رئيس محكمة الشريعة الإقليمية - دعا القضاة الشرعيين إلى عدم قبول أي دعوى بهذا الشأن، فقد ذكر أنه من عام 1999م ظهرت 20 حالة ، وقال إنه لابد من الاستماع إلى طرفي النزاع (الزوج والزوجة) قبل إعطاء أي قرار نهائي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت