وقد أكد لي القاضي نعيم- في لقاء معه على هامش مؤتمر نظمته مؤسسة الدعوة الإسلامية الماليزية، يومي: 24-25/ مايو 2004: أن مسألة قبول أو رفض الهاتف النقال كوسيلة جديدة تقوم مقام التلفظ بكلمة الطلاق، مسألة تحتاج إلى روية وتأنٍ، لأن القبول بها مباشرة على اعتبار أنها وسيلة من وسائل الاتصال قد يفتح الباب على مصراعيه أمام الرجال في التساهل في التطليق والتسرع فيه.
وأكدت المحاكم الشرعية الخاصة بالمسلمين في سنغافورة قبولها للطلاق عبر رسائل الهاتف النقال أيضا، وذلك على لسان تصريح مسؤول مسجل المحاكم فيها سيف الدين ثروان، لكنه كرر هو الآخر مطالبته الزوجين بالحضور للمحكمة وتأكيد ذلك، لكن القانونيين في ماليزيا وسنغافورة أكدوا على عدم تشجيعهم لهذا الأسلوب السهل لتطليق الزوجات على الرغم من شرعيته.
* موقف العلماء والمفتين:
وفي فتوى مفتي العاصمة الفيدرالية كوالالمبور الشيخ هاشم يحيى قال فيها: إن خدمات الرسائل القصيرة عبر الهاتف وسيلة شرعية لإعلام الطرف الآخر بالطلاق، ويجب أن تقبل من قبل المحاكم الشرعية الماليزية، لكنه اشترط حضور الزوجين إلى المحكمة الشرعية لتأكيد حدوث الطلاق.
أما مفتي دبي وفي إجابته عن سؤال بهذا الشأن فقد قال:"الطلاق عبر الهاتف كتابة بما يسمى (المسج) هو نوع من أنواع الطلاق بطريق الكتابة، لأنه يكتب لفظ الطلاق سواء بالعربية أو غيرها، وعندئذ تجري عليه أحكام كتابة الطلاق صريحا كان أو كناية... ولكن بشرط أن يكون الكاتب الزوج أو وكيله، بمعنى أن المرأة لا يلزمها العدة حتى تعلم أن هذه الكتابة صادرة من الزوج نفسه أو وكيله، وذلك لأن احتمال التزوير في هذا النوع كثيرا. ويحصل التأكيد إما بإقرار الزوج أو البينة العادلة. فإذا ثبت ذلك اعتدت المرأة من تاريخ صدور تلك الكتابة من الزوج" (8) .
والدكتور محمود عكام أستاذ الشريعة بالجامعات الأردنية يرى أن الطلاق عبر رسائل المحمول أو البريد الإلكتروني قد يدخله كثير من الغش والخداع؛ ولذا فإن ترك هذه الوسيلة غير المضمونة أولى.
أما مسعود صبري المحرر بقسم الفتوى بإسلام أون لاين فيقول: إن الأوفق شرعًا أن تمنع هذه الوسيلة، وإن كان الشرع يأمر برفع الضرر، فإن الوسيلة التي قد تؤدي إليه تمنع، كما أن في استخدام هذه الوسيلة إضعافًا لعلاقة الزواج والطلاق، وهو ما يتعارض مع حكمة الشرع من هذه العلاقات، من كونها ميثاقًا غليظًا.
ويتابع مسعود صبري: للحاكم المسلم أو الجهات المختصة أن تصدر قرارًا بمنع هذه الوسيلة، فتكون ملزمة للجميع، صونًا للبيوت والأسر، وحفاظًا على الحياة الاجتماعية، فلا يأمن أن يقوم إنسان بكتابة طلاق لامرأة غير زوجته، والشرع ينفي كل ما فيه الغش والضرر (9) .
ويقول عبد السلام درويش المختص في القضايا الأسرية في محاكم دبي بأن قبول الطلاق عبر الرسائل القصيرة مرهون بأربعة شروط وهي:"أن يكون الزوج هو المرسل، وأن يكون لديه العزم والرغبة على تطليق زوجته، وأن لا تعني صياغة الرسالة أكثر من معنى غير الطلاق، وأن تستقبلها الزوجة".
* موقف الرأي العام وجمعيات المرأة وحقوق الإنسان:
لاقى حكم المكحمة بقبول طلاق الهاتف النقال انتقادات من الأوساط الرسمية والنسائية في ماليزيا إذ رأوا أنها إهانة للمرأة؛ فقد قالت أزلينة باروني رئيسة جمعية عزام النسائية:"عندما أراد الرجل الزواج من تلك الفتاة جرى وراءها وخطبها ودعا كل الأهل والأقارب لحفل الزواج.. ولكن عندما يكرهها يرسل رسالة قصيرة عبر الهاتف.. ولا يريد حتى لقاءها وحدها دون الآخرين".
وطالبت أزلينا عثمان رئيسة جناح الفتيات في حزب أمنو الماليزي الحاكم الحكومة الماليزية بعدم إقرار الطلاق المعلن عبر رسائل قصيرة بالهاتف النقال، مشددة على أهمية اتباع الأسلوب المعروف في الطلاق بوجود شهود، وتأكيد ذلك في المحكمة.
أما البروفيسور حمدان عدنان رئيس اتحاد جمعيات المستهلكين الماليزيين فقال:"إن السماح بقبول الطلاق عبر الهاتف النقال قد يفتح المجال أمام أطراف أخرى تتدخل وترسل رسائل الطلاق للزوجة.. يجب علينا أن لا نستخدم التقنية لتكون عاملا مسهلا ومشجعا على الطلاق".
وأيدت الأوساط الشعبية في رأيها وزيرة تنمية الأسرة والمرأة شهريزات عبد الجليل التي طالبت بدراسة الظاهرة بجدية قائلة:"إن الزواج مؤسسة مقدسة يجب تكريمها واحترامها، وعندما يفشل الزواج فإننا يجب أن لا نسمح للزوج بأخذ الأمر بهذه البساطة، وإرسال رسالة قصيرة عن بعد ليطلق زوجته"، بل إنها طالبت بمراجعة قبول شرعية الطلاق المفاجئ حتى عبر الهاتف.