ويقول له في كيد خفي: إن تدخلك يفسد هيبتك وجلالك ، فدع أُمور المملكة لهؤلاء المتصارعين على الدنيا ، وارتفع أنت في عرشك عن نزاعاتهم فهي لاتليق بك ، فكأنه في حقيقة الأمر يقول للملك: تنح وتنازل عن سلطانك وأمرك ونهيك وملكك ، وكن كالصورة الجامدة التي لاحراك فيها، والتمثال الأصم الأبكم ، وإنما يقول ذلك لكي يُفسَح السبيل فيتسنَّى لغير الملك أن يستحوذ على قوِّة السلطان الحقيقيِّة ، قوة الأمر والنهي والحكم والفصل في شئون المُلك والسلطان ، ثم يصير أمر الملك إمّا إلى أن يكون اسما بلا حقيقة ، أو يسلب منه الملك سلبا تامّا، فلايبقى معه منه اسم ولارسم ، فيهوى إلى مرتبة العبيد والسوقة ، بعد الملك والعز والسلطان0
ومثل هذا الكيد الخبيث يريده هذا الصنف من العلمانيّين بالدين ، عندما يزعمون أنهم عليه مشفقون ، فيطالبون بتنحيته عن مجالات الحياة ، وهذا الأسلوب خطير جدا ، لانهم يلبسون به الحق بالباطل ، ولهذا يستعمله العلمانيّون كثيرا لإضلال الناس والتلبيس عليهم 0
الاحتمال الثالث: أن يقول العلمانيّ: إن الدين كله حق ، والاحتكام إليه واجب ، ولكن أين الذين يطبقونه كما أنزل ، ثم يأخذ بعد ذلك بالطعن في حملة الدين واتهامهم بأنهم يستغلون الدين لمآربهم الشخصية ، ويسميهم ( متأسلمون ) أو ( أهل الإسلام السياسي) أو ( المتاجرون بالدين ) 00الخ وهويقصد الطعن في الدين نفسه ، ولكن بطريقة ملتوية خبيثة ، لأنه يريد أن يقول: لانستطيع تطبيق دين الإسلام والعمل به في كل شئون الحياة ، لانه لايوثق بأحد يمكنه تطبيقه أبدًا ، فإذًا النتيجة واحدة ، وهي أنه لايمكن للناس بحال من الأحوال تحكيم الشريعة الإسلامية في شئون حياتهم !!!
وكأن هذا الصنف من العلمانيين يحاول القول عن دين الإسلام ، إنه دين فاشل غير واقعي ولاعملي ولايمكن تطبيقه أبدًا ، فيجب أن ننحي الكلام على تطبيقه جانبًا ، إذ لافائدة من تطبيقه في الحياة ، غير أنهم يعدلون عن التصريح بهذا القول الكافر ، إلى عبارات أخرى بطرق ملتوية خبيثة ، وقد تنطلي على السذج من الناس 0
وبهذا يتبين أن العلماني قد لايكون ذلك الشخص الذي يطعن في الدين جهارًا نهارًا ،أو يسب القرآن والسنة والأحكام الشرعية ، أويستهزأ بالشريعة الاسلامية ،وإن كان فيهم من قد تصل به الوقاحة الى هذا الحد ، يقلّون أو يكثرون بحسب قوة الإسلام في المجتمع 0
بل العلمانيّ هو كل من يعتقد أنه غير ملزم باتباع جميع ما جاء عن الرسول صلَّى الله عليه وسلم ، هو كل من يجعل نفسه مخيرًا أن يرفض بعض أحكام دين الإسلام ، وهوكلُّ من يعتقد أن الدين ليس شاملا لكل الحياة ، وأن الإنسان يمكنه أن يختار من أحكام الدين ما يشاء ويدع ما يشاء ، متبعًا في ذلك عقله ، ومتخذًا إلهه هواه0
ثمَّ إنَّ هذا البعض من دين الإسلام والذي يرفضه الشخص العلمانيّ ، قد يعتقد أنه لايصلح للحياة المعاصرة ، لزعمه أن العقل يقضي بذلك ، فقد يقول لك ـ على سبيل المثال ـ إن المرأة غير ملزمة بالحجاب الشرعي لأنه لايصلح لهذا الزمان ، أو يزعم أن المرأة لها أن تكون قائدة ورئيسة لكل الأمّة ، لأنّ حديث ( ما أفلح قوم ولوا أمرهم إمرأة ) لم يعد صالحا للعمل به في هذا العصر 0
أو أن الحدود الشرعيّة لاتصلح للتطبيق في هذا الزمان لأنها وحشية لاتليق بالإنسان المتحضّر ، أو لأنّها تحط من كرامة الإنسان ، أو لأنّها تناقض ميثاق حقوق الإنسان العالمي الذي يجّرم قطع السارق أو جلد الزاني ، والقوانين الوضعيّة تصلح لأنها تناسب مستجدات العصر الحديث0
أو يقول إن النظام الاقتصاديّ لايمكن أن يقوم على تحريم الربا لأن ذلك أمر غير واقعي ، أويقول إن تعبير الملحد عن إلحاده والإباحيّ عن أباحيّته بنشر فكره في المجتمع ، هو من قبيل توفير الحريّة ، ولايجوز كبت الحريّات ، وإذا قلت له إن الإسلام يحرّم نشر الإلحاد والإباحيّة ، قال لك: إن العصر قد تغيّر ، والزمان قد تحوّل ، ونحن في عصر الحريّة والعولمة ، وغير ذلك من الهذيان والتخبيط الذي يقصد به محاربة الدين بأساليب ملتوية 0
والعلمانيُّ في كل ما سبق وأمثاله مما يرد به العلمانيُّون بعض أحكام الشريعة ، يزعم أنه ينطلق من عقله أو من اتباع زعماء حزبه الذين يقلدون مفكِّري الغرب الملحدين ، وأولئك قوم كفار نصبوا عقولهم آلهة يعبدونها من دون الله ، وذلك عندما اتخذوها أربابا تُشرّع لهم0
ذلك أنَّ العقل هو الحاكم عند العلمانيين على أحكام الشريعة الإسلامية ، وعلى هدى القرآن والسنة ، وليست الشريعة الإسلامية عندهم هي التي توجّه وترشد وتهدي العقل الإنسانيِّ ، بل وظيفة العقل عند العلمانيين هي الإعتراض على أحكام الله تعالى كلّما جاءت معارضة لعقولهم الضالّة التائهة ، وعمل العقل عندهم هو استبدال شريعة القرآن ، بأحكام أوأفكار أوقوانين أو مباديء توافق عقولهم 0