والطاغوت اسم عامُّ يشمل كل معبود أو مطاع أو متَّبع ينصبه الناس حكمًا لهم من دون الله ، ويجعلون كلامه هو القول الفصل الذي يحكم بينهم ، بديلا عن شريعة الله ، وهو كل مناهج يناقض منهج الله ، فكلُّ مَن يَتحاكَم إلى عقلِهِ ، أو إلى منهجٍ بشريِّ يخالف منهج الإسلام ، أو إلى شريعةٍ وضعيّةٍ ، معرضًا عن شريعة الله تعالى ، نابذًا وراء ظهره أحكام الله تعالى في قليلٍ أو كثيرٍ ، فهو مؤمن بالطاغوت كافر بالله تعالى 0
وكل من يقال له: هَلمَّ إلى ما أنزلَ اللهُ تَعالى ، وإلى ما جاء به الرسول صلَّى اللهُ عليه وسلَّم من الهدى والحق والنور المبين ، فصدَّ عن ذلك راغبًا عنه ، واتبَّع غيرَ ما أَنزلَ اللهُ تَعالى ، فَهُو من المنافقين الذين قال الله فيهم ( إنَّ المنافِقينَ في الدَركِ الأسفَلِ مِنَ النّار وَلَن تَجِدَ لَهُم نَصيرًا ) النساء 145
والمنافقون هم الذين وصفهم الله تعالى بقوله ( مُذَبذَبينَ بَينَ ذلكَ لا إلى هؤُلاءِ ولا إلى هؤُلاء ) النساء 143 أي أنَّهم متحيرون ، فلاهم الذين يتبعون ما أنزل الله تعالى ، ولاهم الذين يثبتون على غيره أيضا ، فتارة يؤمنون بالشيوعيِّة ، وتارة بالاشتراكيِّة ، وتارة بالبعثيِّة ، وتارة بالقوميِّة ، وتارة بالليبراليِّة ، وتارة بالماركسيِّة ، وتارة بالقوانين الوضعيِّة ، وتارة ببعض أحكام الشريعة الاسلاميِّة وفق أهواءِهم ، فَهُم مُذَبذَبون دائمًا ، كما قال تعالى ( بَل كَذَّبوُا بالحَقِّ لماَّ جاءَهُم فَهُم في أَمرٍ مرِيجٍ ) ق 5، أي أن كلَّ مُكَذِّبٍ بالحقِّ يُصبِحُ في حالٍ مُضطَرب غايةَ الإضطِراب 0
11ـ وقال سبحانه ( كان النّاسُ أمَّةً واحدةً فَبَعَثَ اللهُ النبيِّينَ مُبَشِّرينَ وَمُنذِرينَ وَأَنزَلَ مَعَهُم الكِتابَ بالحقِّ لِيَحكُمَ بَينَ النّاسِ فِيما اختَلفُوا فِيه ) البقرة 213 فبيَّن أنَّه أنزَلَ الشريعةَ لِكَي تَكونَ حاكمة بين العباد في كل صغير وكبير من شئون حياتهم ، وفي كل ما يختلفون فيه 0
12ـ وقال سبحانه ( فلاوَرَبَّكَ لايُؤمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فيما شَجَرَ بَينَهُم ثُمَّ لايَجِدُوا في أَنفُسِهِم حَرَجًا مِمَّا قَضَيتَ وَيُسَلِّمُوا تَسلِيمًا ) النساء 65، فكل من وجد في نفسه حرجا من شيء مما أنزل الله تعالى ، فقد أقسم الله تعالى بنفسه العليَّة أنه لايكون مؤمنا 0
13ـ وقال سبحانه ( ثُمَّ جَعَلنَاكَ عَلى شَرِيعةٍ مِنَ الأَمرِ فاتَّبِعها ولاتَتبَّع أَهواءَ الذِينَ لايَعلَمُونَ ، إنَّهُم لَن يُغنُوا عَنكَ مِنَ اللهِ شَيئًا وإنَّ الظالِمينَ بَعضُهُم أَولِياءُ بَعض واللهُ وليُّ المُتَّقِين ، هذا بَصائِرُ للنّاسِ وَهُدى وَرَحمَةُُ لِقَومٍ يُوقِنُون ) الجاثية 18ـ 20 والعلمانيون هم الذين يتبعون أهواء الذين لايعلمون من كفرة ملاحدة أوربّا الضالّين 0
وقد أمر الله تعالى نبيّه الكريم في هذه الآية الكريمة أن يستقيم على الشريعة ، ونهاه أن يتبع أهواء الجاهلين ، وبين أنه أنزل هذا القرآن المشتمل على الشريعة التامة ، فهي البصائر والهدى والرحمة ، وغيرها الضلال والحيرة والجهل 0
فهذه أربع عشرة آية في الكتاب العزيز ، ونظائرها أكثر من أن تحصر في هذا الموضع ، وكلها دالة دلالة قطعية على أن من علم حكم الله تعالى ، ثم رفض أن يلتزمه معتقدا أنه يسعه ذلك فهو كافر بالله تعالى ، ولاينفعه زعمه أنه مؤمن بروح الشريعة أو جوهر الدين كما يقول العلمانيون والليبراليون 0
هذا ولم يقرِّر القرآن أصلًا بعد توحيد الألوهية كما قرر هذا الأصل العظيم ، وهو وجوب الاحتكام إلى الشريعة الإلهية ، وطاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم في كل ما جاء به ، مما يُؤذن بخطر التهاون في هذا الشأن العظيم ، كيف وقد قرر القرآن أن الإعراض عن الشريعة واتباع غيرها عبادة للطاغوت ، كما تقدم في آية سورة النساء ، ورحم الله العلامة ابن القيم اذ يقول ( فطاغوت كل قوم من يتحاكمون إليه غير الله ورسوله ، أو يعبدونه من دون الله ، أو يتبعونه على غير بصيرة من الله ، أو يطيعونه فيما لايعلمون أنه طاعة لله ، فهذه طواغيت العالم إذا تدبرتها وتأملت أحوال الناس معها رأيت أكثرهم من عبادة الله إلى عبادة الطاغوت ) إعلام الموقعين (1/50)
ثالثا
بيان معنى الليبراليَّة
وأنها ليست سوى وجه من وجوه شجرة العلمانيَّة الخبيثة