فهرس الكتاب

الصفحة 5179 من 27345

نحن لا شكّ على علم تام بالحركة التحديثيّة الناشطة في الوسط الاسلامي في كل من تركيا ومصر وبلاد فارس والهند.

فجميع هذه الدول قد تأثرت بالافكار الاوربية، وقد تشكّلت فيها منظمات فكرية وسياسية.

وأثّرت هذه المنظمات بشكل مباشر أو غير مباشر على العقائد الدينية.

غير أنّ هذه الدول ليست هي الوحيدة من دول الاسلام المتأثرة بأفكار الغرب، ففي روسيا ونتيجة لاطلاق الحريات الدينية في 17 نيسان عام 1905م، وكما أعلمتني سيّدة روسية قامت بدراسة خاصة أنّ ما يزيد على 50000 من اتباع الكنيسة اليونانية عادوا الى اعتناق الاسلام، وقد تبعهم آخرون اعتنقوا هذا الدين لاول مرّة.

لاشكّ في أنّ مثل هذا الحدث سوف يحفّز «المحمديين» في روسيا الاوربية، في الفولغا في أواسط آسيا وحتى سيبريا حيث الافكار تسري بسرعة مثل التيار الكهربائي، وخاصة عندما تكون وسيلة النقل الجديدة: السكّة الحديدية، فالقطار عبر قزوين سوف يتّجه نحو روسيا وتركمانستان ثمّ الصين التركية وسوف ينقل الافكار الاسلامية، وهكذا تعود الخطوط التجارية التاريخيّة عبر وسط آسيا نحو الصين لتصبح العصب المنظّم والجهاز العضوي الاكثر فاعلية مما كان عليه قبلًا.

إذًا فدورنا الان يجب أن يتركّز في الصين.

وإذا كانت هناك دولة واحدة في العالم المحمدي ممن لا يتأثّر بالعالم الخارجي فهي الصين، والنموذج الصيني المسلم ليس من النوع الذكي، ومع ذلك فقد سمعنا بانتقال بعثة تركية مسلمة الى الصين لتقوم بدور التبليغ لاوّل مرة.

وأكثر ما يثير العجب أن يقوم ثلاثون طالبًا صينيًّا من الذين يدرسون الاراء الغربية في جامعة اليابان، بتحرير مجلة فصلية باسم:

«أيّها المسلمون استيقظوا» وتوزّع هذه المجلة في عموم بلاد الصين، وعندما ننتقل الى ماليزيا حيث السفينة التجارية تقوم بمساعدة الاعداد المتزايدة من أهالي جاوة وسومطرة وجزر الهند الشرقية في التوجّه نحو مكّة لاداء فريضة الحج، وحيث يتعاظم بذلك تثبيت جذور الاسلام في هذه الدول، ومن ثمّ يصعب القضاء عليه، ونتّجه بعد ذلك نحو الجزيرة العربية نفسها حيث هناك قبر النبي في المدينة، وحيث تتردد صفارات القاطرات.

ومن الجزيرة العربية وبشكل غير مباشر جاءت أعظم حركة للسنوسيين إن لم تكن أحدثها، والتي يمكننا أن نلمس آثارها بسهولة في السودان وفي بحيرة تشاد وأقصى أطراف حوض الكونغو.

ومن جانب آخر فإن الحركة الاسلامية الممتدة بشكل مرعب في إفريقيا أساسًا هي ردّ فعل لما قامت به الحكومات الاوربية (الاستعمارية) التي وضعت مؤسسات حكومية من النيل وحتى زامبيا، وأضعفت بذلك الروابط القبلية، وهيّأت مئات الاقنية لتوغّل الاسلام بشكل هادئ، وسنجد بعد قليل أنّ الاسلام هو هدية السماء لوحدة إفريقيا، والمعبّر الحقيقي عن الجنس الافريقي، وسوف يحصد المسلمون الجهود التي بذلها نصارى الحبشة.

إنّ هذه النظرة السريعة تؤكّد لنا ـ حتى من وجهة نظر الحركات التحديثيّة ـ مشكلة الوجود المحمدي الممتد في كامل العالم الاسلامي، وسوف اُقدّم في هذا المؤتمر العظيم ملاحظة أولية: إنّ مشكلة الاسلام هذه لا يمكن تجاوزها حتى في الظروف الاضطرارية التي لا يمكن وصفها، والتي تواجهنا في الشرق الاقصى.

والسبب أنّ الاسلام الان يقف على أعتاب دورنا من أقصى الساحل المغربي حيث يلامس حدود أوربا وحتى أعمدة هرقل ومدينته القسطنطينية.

إنّ هذه المشكلة هي مشكلتنا المركزية.

لنفكر بهذه الكتلة العظيمة من دول منطقة البحر المتوسط من شمال إفريقيا غربًا وحتى أواسط آسيا شرقًا سنجدها جدارًا لا يمكن زحزحته، يمنع الغرب المسيحي من الوصول الى قلب الشرق الوثني.

أيّها الاباء والاخوة: تذكّروا حتى عندما تُحل مشاكلنا مع اليابان أو الكوريين أو المنشوريين أو الصينيين أو الهنود فإنّ الازمات الحالية يمكن تجاوزها، وعندما يلتقي نصارى الشرق الاقصى مع الكنيسة الكاثوليكية فإنّ الكتلة الضخمة المعادية سوف تشطر دولة الغرب النصراني الى شطرين، وتفصل بين التوأمين، وتعزل أحدهما عن الاخر، ولن تقيم خطًا عازلًا ممتدًا بين الربّ والانسان فحسب، بل سوف تسبّب شرخًا في بنية الكنيسة الكاثوليكية العظيمة الخالية من الشروخ، والذي يتمثل بوجود المسلمين هناك، ويمكن كسبه الى جانب المسيح، وعليه لا يمكننا تأخير حل مشكلة الاسلام.

إنّها مشكلة كل يوم كما ترون فلنجعل هذا اليوم نفسه يومًا للحل والانعتاق.

إنّ واجبي أن أوضّح لاتباع الكنيسة القادمين من جميع أنحاء العالم الاوضاع العامة في ضوء الحركات التحديثية داخل بلاد المسلمين.

إنّ هدفنا الموحّد هو: اتخاذ الاجراءات الى أقصى حد في ضوء «المصادر المتوفرة لدينا» حيث يمكن بذلك فهم الواقع لتحقيق أهدافنا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت