فهرس الكتاب

الصفحة 5212 من 27345

ويبحث معنى القمار في لغة الفقهاء واستعمالاتهم، وهل هو خاص باللعب بالمال، كما يقول الدكتور رفيق المصري عازيا ذلك إلى أبي عبيد صاحب كتاب الأموال (6) ، أو هو عام لكل غرر اشتمل على مخاطرة بين حصول الغنم أو الغرم؟. نجد بعد التتبع لأقوال العلماء والفقهاء واستعمالاتهم للفظ القمار أنهم يعممون معناه: فقد أطلق الإمام مالك على بعض بيوع الغرر قمارا (7) وتبعه في ذلك أصحابه، كما أطلق الشافعي القمار على معاملات ليس فيها لعب مثل قوله المعروف في شركة المفاوضة بأنها قمار (8) ?، وكذلك كثير من الأحناف (9) ، وأما الحنابلة فهم أيضا يوسعون معنى القمار، ودليل على ما ذكرنا: كلام السلف عند قوله تعالى: يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم وكبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما (10) ، حيث قال كثير منهم:"الميسر هو القمار كله"، وقالوا أيضا:"القمار الميسر"، وقال بعضهم:"كل شيء له خطر فهو من الميسر"ورد مثل ذل بمعان متقاربة عن ابن عباس، والحسن، وقتادة ومعاوية بن صالح، وابن سيرين، وعطاء، ومجاهد، وطاوس، وغيرهم (11) .

يقول ابن تيمية:"لفظ الميسر هو عند أكثر العلماء يتناول اللعب بالنرد والشطرنج ويتناول بيوع الغرر التي نهى عنها صلى الله عليه وسلم، فإن فيها معنى القمار الذي هو ميسر، إذ القمار معناه أن يؤخذ مال الإنسان وهو على مخاطرة هل يحصل له عوضه أو لا يحصل… وعلى هذا فللفظ الميسر في كتاب الله يتناول هذا كله، وما ثبت في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن بيع الغرر يتناول كل ما فيه مخاطرة (12) ، وقال أيضا:"الغرر هو المجهول العاقبة فإن بيعه من الميسر الذي هو القمار" (13) . وقال ابن القيم:"الجهالة المانعة من صحة العقد التي تؤدي إلى القمار والغرر" (14) ، وقال ابن مفلح:"الغرر ما تردد بين الوجود والعدم فهو من جنس القمار الذي هو الميسر وهو أكل المال بالباطل" (15) ."

وبهذا يتبين أن معاني الميسر والقمار والرهان والمخاطرة والغرر متقاربة إن لم تكن متطابقة هنا من حيث المقاصد، وعليه فإنه وبالنظر إلى التأمين وحقيقته نجد أنه مشتمل على وجود المقامرة والمخاطرة لأن المؤمن عليه الذي دفع قسطه قد يحصل عليه حادث أو حوادث فيحصل على التعويض المناسب فيكون رابحا وقد لا يحصل عليه شيء فيكون خاسرا، والتأمين مبني على عنصر الخطر والاحتمال، فلا يكون التأمين أبدا على حادث محقق الوقوع، ووجود الغرر والقمار في التأمين أمر معترف به عند الغربيين، فهو يدخل عند رجال القانون الفرنسي فيما يسمى: (Contrat aleatoirs) وهي عقود الغرر، أو العقود الاحتمالية، وهو عندهم مستثنى من القمار المحرم (16) .

تساؤلات وأجوبة:

لكن … 1- هل تحريم القمار (الميسر) أو الغرر كان سدا للذريعة فيباح حينئذ للحاجة؟

2-وهل تحريم الميسر كله في درجة واحدة من التحريم أو في درجات متفاوتة؟

3-هل تحريم القمار (الميسر) أو الغرر مثل تحريم الربا؟ وعليه، ما موقف التأمين من كل ذلك؟.

1-بالنظر في كثير من الأدلة والأحكام وكلام العلماء نجد أن القمار (الميسر) والغرر مما حرم سدا للذريعة، وقد توسع في ذلك ابن تيمية في كتابه (القواعد النورانية) وفي بعض أجوبته كما في المجموع له، ويدل عليه قوله تعالى:"إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر، ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون" (17) ، فأخبر سبحانه أن الميسر يوقع العداوة والبغضاء، فإن المطالبة بلا فائدة وأخذ المال بلا حق يوقع في النفوس ذلك (18) ، وأيضا ما جاء في الحديث الذي رواه زيد بن ثابت: كان الناس في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يتبايعون الثمار فإذا جد الناس وحضر تقاضيهم قال المبتاع (أي المشتري) : إنه أصاب الثمر دمان، أصابه مرض، أصابه قشام عاهات يحتجون بها، فقال رسول الله - لما كثرت عنده الخصومة في ذلك:"وايم والله فلا تتبايعوا حتى يبدو صلاح الثمر"كالمشورة يشير بها لكثرة خصومتهم، فقد أخبر أن سبب نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك ما أفضت إليه من خصام.

2-القاعدة الفقهية تقول: ما حرم سدا للذريعة يباح للحاجة أو للمصلحة الراجحة"كما قرر ذلك جمهور العلماء كالعز بن عبدالسلام، والقرافي، وابن تيمية، وابن القيم، والمقري، وغيرهم (19) ، وضابط الحاجة هو كونها متضمنة لمصلحة راجحة على المفسدة المفضية إليها الوسيلة."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت